نايا للنشر الالكترونى
اهلاً اهلاً نورتونا يا رب تكونوا فى أتم الصحة والعافية
انضموا لأحلى صحبة معانا
بحـث
 
 

نتائج البحث
 

 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

عروس  بكاء  القلب  الحلقه_السادسه  الجزء  

المواضيع الأخيرة
» الكلب المختنق
العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Icon_minitime1الأربعاء أغسطس 10, 2016 10:44 pm من طرف widad

»  بحث أدخل كلمة البحث ... التخسيس السريع رجيم كيميائي سريع لإنقاص الوزن
العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Icon_minitime1الأربعاء أغسطس 10, 2016 10:40 pm من طرف widad

» أكلات الرجيم الـ17 الأكثر قدرة علي التخسيس
العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Icon_minitime1الأربعاء أغسطس 10, 2016 10:37 pm من طرف widad

»  الكروسون
العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Icon_minitime1الأربعاء أغسطس 10, 2016 4:50 am من طرف حكاوى الكتب

» برجر دجاج
العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Icon_minitime1الأربعاء أغسطس 10, 2016 4:40 am من طرف حكاوى الكتب

» كيكة القهوة بالكراميل والقرفة
العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Icon_minitime1الأربعاء أغسطس 10, 2016 12:31 am من طرف nimo nany

» ازياء محجبات2
العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Icon_minitime1الأربعاء أغسطس 10, 2016 12:05 am من طرف nimo nany

» خادمتي زوجتي
العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Icon_minitime1الثلاثاء أغسطس 09, 2016 10:37 pm من طرف widad

» طالب ثانوى غلبان
العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Icon_minitime1الثلاثاء أغسطس 09, 2016 7:50 pm من طرف سارة عمر

نوفمبر 2019
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930

اليومية اليومية


العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Empty العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر

مُساهمة من طرف widad في السبت أغسطس 06, 2016 4:41 pm

العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Url?sa=i&rct=j&q=&esrc=s&source=images&cd=&cad=rja&uact=8&ved=0ahUKEwiQjMzLgq3OAhXB7hoKHYNxB5AQjRwIBw&url=https%3A%2F%2Fwww.youtube


الملخص

الحق في تقرير المصير,هل هو في يد الانسان,ام ان هذا الحق هو ملك الآخرين كالأهل والأصدقاء؟
اليكس معذبة ...حائرة , تريد تقرير مصيرها الحياتي بيدها ولاترغب في تدخل امها بمحاولة تزويجها من احد اغنياء مدينة سيدني .لذا تقرر اليكس السفر الى مدينة اخرى للعمل وهكذا تضع اول حجر اساس لبناء حياتها بحرية .لكن تشاء الصدف ان تلتقي هناك تشيس مارشال المتسلط والذي يحاول ان يقرر عنها امورها ,فتكرهه وتبدأ السير في دهاليز عذاباتها .
تشيس مارشال صاحب المزارع الواسعة يطلب يدها للزواج, ويطرح طلبه بمنتهى الصلف والغرور,حاسبا ثراءه ووسامته كفيلين باغراء أية فتاة.
لقد حان الوقت لأن يجد من يتحدى سلطته وغروره...
لكن العذاب كان لها بالمرصاد!


widad
مديرة الموقع

تاريخ التسجيل : 29/07/2016

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Empty رد: العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر

مُساهمة من طرف widad في السبت أغسطس 06, 2016 4:51 pm

العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Url?sa=i&rct=j&q=&esrc=s&source=images&cd=&cad=rja&uact=8&ved=0ahUKEwiQjMzLgq3OAhXB7hoKHYNxB5AQjRwIBw&url=https%3A%2F%2Fwww.youtube
1- الضيف الغاضب


الشقة تقع في حي فيتزروي في مدينة ملبورن وقد بدت في قمة الترف بالنسبة الى أليكس لاثام , صحيح أنها ليست فسيحة لكنها تتسع تماما للفتاتين اللتين تتشاركانها , أذن ما الذي يدعو روبي مارشال الفتاة الأخرى , الى كل هذا التذمر وبهذه النائحة التي توحي بأن المكان بالكاد يتسع لملاعبة قطة ؟ هتفت روبي وهي تنفض رأسها بطريقة دراماتيكية:
" أكاد أجن ! أن كل شيء يضيع في هذا الجحر!".
ومن باب المسايرة , غطست أليكس تحت السرير وقالت بعد أن أخرجت لها حذاء السهرة المفقود:
" ما عليك ألا أن تتعلمي بعض التنظيم يا روبي كي تحتفظي بأغراضك وعقلك معا...".
تأوهت روبي وقالت:
" كيف لي أن أتعلم عادات جديدة وأنا في هذا السن؟".
تناولت منها الحذاء بدون كلمة شكر واحدة وجلست لتلبسه , لكن الأبريم علق بجوربها الحريري الشفاف فحدجت أليكس بنظرة حانقة أخرى قابلتها شريكتها بنظرة ساخرة , أن روبي لا تلمح الى عمرها ألا حين ترغب في التهرب من فعل أشياء معينة , قالت لها أليكس:
"حسبتك جئت الى ملبورن لتتعلمي الأعتماد على نفسك؟".
" صحيح , لكن ما علاقة ذلك بتعلم الترتيب؟".
وفكرت أليكس أنها تستطيع أعداد لائحة بالأمور الكفيلة بتحسين شخصية روبي,, كأن تتعلم التواضع وملاطفة الناس الأقل منها غنى ومركزا أجتماعيا , فروبي أخبرتها مرارا أنها ما تركت بيتها ألا هربا من ضغط الضجر والثراء , لكنها طالما تذمرت بالمقابل من أضطرارها الى الأستغناء عن وسائل الرفاهية التي كان أخوها يؤمنها لها في منزل مزرعته الضخمة لتربية المواشي في شمال أستراليا , وبالرغم من شكاوى روبي المتعددة ألا أن أليكس كانت تتعاطف أحيانا مع بعض مشكلاتها الأخرى الشبيهة بمشكلاتها هي , أذ تأكد لها من كلام روبي أن أخاها هذا لا يختلف كثيرا عن أمها من حيث محاولة كل منهما السيطرة على حياة الآخرين.
كثيرا ما وجدت أليكس نفسها تفكر في الطريقة الغريبة التي جمعها بها القدر مع روبي بالرغم من التفاوت الكبير بين طبيعتيهما , وعلى ما يبدو كانت روبي القوية الشكيمة تسعى منذ زمن بعيد الى ترك منزلها العائلي , في حين أن أليكس لم تثر فيها رغبة الهرب الا منذ أأن تركت المدرسة قبل سنة , لقد هاجر والدها الى أوستراليا عندما كانت طفلة صغيرة ولذا ليست لديها ذكريات واضحة عن أنكلترا , أبوها عالم بالكيمياء الحيوية ويعمل في مركز للأأبحاث الزراعية قرب مدينة سيدني في مقاطعة نيو ساوث ويلز وقد قرر السفر الى أوستراليا لأنه رأى فيها فوص نجاح جيدة تؤمن له مستقبلا أفضل وكذلك لأبنه وأبنته أليكس , , والدتها لم تحبذ فكرة الهجرة آنذاك بسبب طبيعتهاالمتكبرة وأعتقادها بأن أنكلترا توفر فرص نجاح من نوع آخر , كانت على صلات وثيقة بأناس نافذين وهكذا أستطاعت أن تتكهن ببعض الصعوبات التي ستواجه ولديها لدى أستقرارها في الموطن الجديد , لقد تزوجت بدافع الحب وحيث سمحت لعواطفها لمرة وحيدة بأن تتغلب على أحكامها المنطقية الأمر الذي أورث فيها ندما مزمنا حرصت دائما على أخفائه , وجعلها تصمم أيضا على ألا تدع ولديها يكرران غلطتها نفسها , فكلاهما يجب أن ينعم ببحبوحة مادية لا أن يعيش ضمن حدود الراتب الذي يتقاضاه زوجها والذي قد يبدو كبيرا في نظر الآخرين أنما يبدو تافها بالنسبة اليها , ولولا مدخولها المالي الخاص لما أستطاعت أن تدبر أمورها على الأطلاق.
بعد أن أستقرت في سيدني مرغمة وطدت العزم على تولي معظم الأمور بنفسها ,وفي خلال السنوات الأولى راحت تعمل بجهد على تثبيت مكانتها في ما أعتبرته مجتمعا غريبا لخلوه من الطبقية والرقي , أستطاعت أن تحصد ثمارا طيبة على جهودها أذ تمكنت أن تجد لأبنها الآن , شقيق أليكس , زوجة من عائلة معروفة ومحترمة , هذه الخطوة الناجحة التي أعتبرتها أنتصارا لطموحاتها الأجتماعية جعلتها تولي أهتماما أكبر لتأمين مستقبل أليكس التي كانت تخرجت من المدرسة آنذاك فأوجبت عليها أمخا أرتداء الثياب المناسبة , وأرتياد الأماكن الراقية والأختلاط بالناس المناسبين ,حاولت أليكس أن تقنع أمها بأنها لا تبغي هذا النوع من الحياة وأن والدها غير قادر على تلك المصاريف الأضافية وأنها ستجعلهم أضحوكة بين الناس أذا أصرت على موقفها , لكن محاولاتها ذهبت أدراج الرياح , بعد ذلك صارت أليكس توزع طاقاتها بين عملها المكتبي وبين محاولاتها الحثيثة لهزم مناورات أمها والى أن أختارت لها شابا لتزوجها منه كرها , الأمر الذي أضطرها الى الأستنجاد بأبيها بقولها:
" أنها تفعل ذلك لتؤمن لي زوجا ثريا وأنا أرغب في الزواج في الوقت الحاضر وخاصة من رجل ثري".
لكن ريتشارد لاثام تمسك بولاته المعهودة لزوجته وأجاب بحجة واهية:
" أنا أكيد أن أمك تسعى دائما الى مصلحتك".
ولأول مرة أشمأزت أليكس من محاولات أبيها الواضحة للتهرب من موضوع مزعج كهذا وقالت له بأستياء:
" لماذا لا تفرض رأيك عليها يا بابا؟ أنا واثقة من قدرتك على مساعدتي أذا حاولت , لا أريد التقيد بالزواج قبل عدة سنوات , وعندما يحين الوقت أود أن أختار زوجي بنفسي".
" أمك تعتقد أن هذا الشاب دون فيشر قد أنجذب اليك ".
فأحتجت بقولها:
" لكنني لا أعرف شيئا عن مشاعري أتجاهه!".
" تذكري أنه من عائلة مرموقة".
حدقت اليه آنذاك بخيبة يائسة وأدركت أنه ينبغي عليها خوض معاركها بنفسها , لكن بعد مرور عدة أسابيع على مقاومتها المرهقة لمحاولات أمها ودون فيشر المتحدين ضدها , حدث شيء أقنع أليكس بأن السماء لم تتخل عنها نهائيا, هذا الأنقاذ هبط عليها بشكل برقية أرسلت من أنكلترا , قالت سطورها أن والدة أنيد لاثام أي جدة أليكس , قد مرضت فجأة وطلبت أستدعاء أبنتها , وهكذا أضطرت أمها الى تلبية النداء , في الأسبوعين الأولين لغيابها فكرت أليكس في حل ينقذها من مشكلتها , وقررت في الأخير أن تبحث عن عمل في مكان آخر, لقد دهشت وتأثرت الى حد كبير حين عرض عليها أبوها أن يساعدها وخجلت من نفسها لكونها نفضت يديها منه في السابق وأتهمته بالجبن والخضوع التام لأمها , قال لها:
" لقد علمت بوجود وظيفة شاغرة في شركة ترعى شؤون الماشية , في ملبورن ,وهي لا تبعد عنا كثيرا , لكنها تبعد على الأقل مسافة كافية تتيح لك التخلص من المساهمة في النشاطات الأجتماعية التي تكرهين , وفي الوقت نفسه تكونين قريبة الى حد ما , وحيث نستطيع الأطمئنان عليك ساعة نشاء".
فسألته بحيرة:
" وظيفة في شركة رعوية؟".
" أنه مجرد أقتراح , ولا بأس من المحاولة".
" لكن أين سأسكن؟".
" من الأفضل أن تمكثي في فندق صغير ريثما تجدن شقة مناسبة , لا شك أن زميلاتك يسيساعدنك متى تعرفت اليهن جيدا"
لم تواجه الصعوبات التي توقعتها , أجريت معها مقابلة أمتحانية وأسندت اليها الوظيفة التي كانت تشغلها فتاة أكبر منها سنا , تاركة أيضا مكانا شاغرا في الشقة التي كانت ستشارك سكنها مع فتاة أخرى , تعمل في الشركة نفسها وأسمها روبي مارشال.
ولما عرضت عليها أليكس أن تأخذ مكان شريكتها الأولى , لم تلق عليها روبي ألا نظرة عابرة ثم توقفت على عرضها شرط أن توافق على القيام بمعظم الأشغال المنزلية , وحين ذكرت بدل أيجاد متهاود جدا أحست أليكس أنها ستكون مجنونة أذا رفضت , فما هم أن تغسل بعض الأطباق المستعملة؟ من هي روبي مارشال الى جانب كونها زميلة في العمل ويعاملها المدير بأحترام فائق؟ لم تر موجبا لأن تقلق نفسها بمعرفة المزيد عنها , لكن بعدما رأت الشقة بدأت التساؤلات تزعجها ألا أنها سرعان ما نسيتها في غمرة أنهماكها في التكيف مع حياتها الجديدة.
أثبتت روبي مارشال أنها فتاة حلوة المعشر أنما أثبتت أيضا أنها كسولة جدا في الأعمال المنزلية وهكذا أمتلآ وقت أليكس بالشغل داخل البيت وخارجه وشعرت بالأرتياح لأن أمها مشغولة عن زيارتها في الوقت الحاضر لأنها لو جاءت , فلن تجد أليكس وقتا للأحتفاء بها كما يجب , الآن نظرت متسائلة الى روبي التي كانت تحوم في أرجاء الغرفة وكأنها لن تخرج الى أي مكان , سألتها أليكس:
" ألن يكون صديقك في أنتظارك؟".
هزت روبي كتفيها بضجر وقالت:
" أظنه ينتظر , أنما لماذا تسألين؟ أتريدين التخلص مني؟".
" بالطبع لا , ليس لدي ما أفعله سوى غسل شعري الذي يحتاج الى تنظيف متكرر".
ألقت عليها روبي نظرة لا مبالية قائلة:
" ذلك لأنك شقراء جدا , على ما أظن".
أليكس أقدمت في الأسبوع الماضي على قص شعرها وغيير تسريحته , كان طويلا يصل كتفيها لكنه أصبح الآن كحرير كث متألق , يموج جميلا عندما تمشي وتتحرك وقد أضفت هذه التسريحة على عنقها الطويل ورأسها المرفوع هالة من الجلال الناعم , أنها بصورة عامة , تبدو طظبية شديدة التيقظ بأطرافها النحيلة وخصرها الدقيق ونظرة الحذر الخفيفة في عينيها الزرقاوين الرائعتين والتي أكتسبتها مع الوقت من جراء مقاومتها المستمرة لتصرفات أمها المسيطرة.
وفجأة خطر لروبي أن تتأملها الآن بأمعان وبدت مندهشة الى حد ما من جمال أليكس الريّان , ثم سألتها مفكرة:
" لم لا تخرجين مع مارتن جونز زميلك في المكتب؟ أنه يلاحقك بأستمرار وقد تجدين في رفقته تغييرا مريحا من الرتابة".
" لا أحسبني أميل الى مارتن , أو الى أحد يدفعني الى الخروج معه , هل يهم كيف أمضي أوقات فراغي؟".
فردت روبي بصراحتها المعهودة:
" كلا , لا يهمني شخصيا , في أي حال قد أترك هذه الشقة قريبا لأنني أخذت كفايتي من ملبورن".
ثم أضافت تعلق بغموض:
" أنها من بعض النواحي لا تقل سوءا عن البيت! بعد أنتهاء أجازتي قد أنتقل الى سيدني لفترة من الزمن".
أستوعبت أليكس كلامها على مهل... أذا غادرت المدينة كما تقول فسوف تتخلى عن الشقة وهذا يعني أضطرار أليكس الى البحث عن مكان آخر لسكنها , ولا يمكنها أن تجد شقة كهذه بأيجار زهيد كالذي تشارك في دفعه.... وسألتها بشيء من القلق:
" ماذا سيقول أخوك أذا تركت ملبورن؟".
فردت روبي بتذمر غامض المعنى:
" الشيء نفسه الذي سيقوله أن لم أغادر المدينة , أنني أميل الى الرجل الذي أصادقه في الوقت الحاضر لكنني أعلم جيدا أن تشيس لن يقبل به :.
أحست أليكس فجأة بحاجة روبي الى الملاطفة فأستوضحتها قائلة:
" بالطبع لن يمكنك التأكد من ذلك ألا بعد أن يتعارفا؟ ثم ما الذي يحدوك الى أعلام أخيك؟ أنه من خلال حديثك عنه , يبدو رجلا كثير المشاغل والأهتمامات , ولا أحسبه سيجد وقتا للأهتمام الزائد بما تفعله أخته".
" أنت لا تعرفين تشيس الذي يهتم بمعرفة ما يفعله أصغر موظفيه وأقلهم شأنا , فكيف بالنسبة الى شقيقته الغالية التي يعتبرها قطعة حلوى؟".
أعجبت أليكس بمقدرة روبي على التعبير الدقيق وأجابتها مداعبة:
"أذن لا تدعيه يلتهمك , أن كنت لا تملكين القوة على مقاومته وأذا كان هذا الرجل مهما بالنسبة اليك فأستعملي ذكاءك وأنا أكيدة من وفرته".
" أن غرور تشيس يعادل ذكاءه يا عزيزتي , هكذا كان جدي وهكذا هي عمتي هارييت , لكن تشيس أسوأ من كليهما حسب أعتقادي , فمن رابع المستحيل أن يحاربه المرء في عقر داره ومواجهته تعني الهزيمة الحتمية بالنسبة الي".
" أذن حاربيه من وراء ظهره".
أطلقت أليكس هذه النصيحة بتسرع وعفوية ولو أنها فكرت قليلا لأدركت أنه من المستحيل على روبي أن تتغلب على قزة أخيها القاهرة بهذه الأساليب المخادعة , ولأمتنعت بالتالي عن الأدلاء بنصيحتها بطريقة جدية ,كانت مدفوعة في الواقع برغبة عفوية في مساعدة روبي ولم تقصد بتاتا أن تحرضها على التحدي , فهي تدرك من خلال تجربتها تجربتها الشخصية معنى الوقوع في شرك الطموحات العائلية , أنما من المستحيل أن تعترف روبي بسلطة عليا كهذه بالنسبة الى شخصيتها المتطورة وبلوغها السادسة والعشرين من عمرها , وأجابتها روبي هازئة من نصيحتها:
" يا طفلتي العزيزة , ثي بأن لا أحد يستطيع التغلب على شقيقي , لقد كدت أموت من مجرد الهرب الى هنا , صحيح أنني أعتبرته أنتصارا كبيرا ألا أنه كان في الواقع أنتتصارا خاويا , لأن أخي سمح لي بترك البيت من تلقاء نفسه , وليس من عادته أن يتصرف هكذا".
" لماذا سمح لك هذه المرة؟".
أجابت روبي وهي غافلة عن رؤية الشك في نظرات أليكس :
" لست متأكدة , ربما أتضح له بأنني لم أعد أطيق الوضع الخانق الذي زجني فيه ,أنه يريدني أن أتجاوب مع جار لنا ويبدو مقتنعا أن فرص الزواج تتضاءل بعد بلوغ الفتاة سن السادسة والعشرين , لكن لدي آرائي الخاصة حول هذا الموضوع كما سيكتشف في القريب العاجل!".
" قد تكونين مخطئة في أعتقادك , أذ كيف يوافق على سكنك هنا ولو كان مصرا بالفعل على تزويجك الآن؟".
أجابت روبي بنزق:
" قلت لك , لست متأكدة !بما حسب أنه يستطيع مراقبة تصرفاتي هنا أيضا , لا بد من وجود سبب لكنني لم أبذل جهدا لمعرفته , أنني أتقبل ما يتيحه لي بدون أن أتساءل عن الأسباب".
" لكنك قلت أنه سيلم بكل ما تفعلين؟".
" قد يفعل , لكنني لم أره منذ عدة أسابيع , ولدي سبب يحملني على الأعتقاد بأنه مشغول في مكان بعيد وهذا بعيد وهذا هو التعليل الوحيد".
سألت أليكس بفضول:
" مشغول؟".
" مع صبية سمراء جذابة سمراء جذابة تعرف كيف تتمنع عليه لحين تحصل منه على ما تريد من الأشياء الثمينة".
هذا التهكم الساخر أصاب أليكس بخيبة وصدمة خفيفة , كذلك صدمها تشيس مارشال , ثم أحست بشعور يشدها الى عائلة مارشال بقبضة فضولية ويجعلها تسأل بدهشة:
" هل من عادة أخيك أن يسمح لصديقاته بجره الى هذا الحد؟".
" ليس دائما , هذه المرة ذهب الى أميركا في رحلة عمل أيضا , أنه عادة لا يبذل أدنى مجهود للحصول على مبتغياته فالنساء أنفسهن ينجذبن بقوة الى شكله وثروته , لكنه بصورة عامة لا يتأثر عاطفيا بهذه العلاقات ".
" لا يتأثر بها أبدا؟".
وعادت روبي تقول بلا أكتراث:
" أوه , بعضها يدوم بضعة أشهر , وعلاقاته , على العموم , قصيرة الأمد , أنه يفقد أهتمامه بسرعة وسهولة وأرجح أنه لم يتزوج لهذا السبب ".
لم ترق هذه الصورة ألأليكس فسألت وهي تبتسم بخبث:
" ربما أحب مرة ورفضت تلك الفتاة أن تتزوجه؟".
هزت رأسها روبي مجيبة:
" لا نذكر أننا رأينا عليه سيماء القلق في أي وقت ولا بد أنه محطم القلب , ثم أن شيئا من هذا القبيل قد حدث لعلمنا به حتما".
" قد يكون أستطاع أخفاء الحقيقة عنكم؟".
فأجابت روبي بقناعة تامة أذهلت أليكس:
" تشيس لا يدع أحدا يحطم قلبه ولا يعطي فرصة لأية أمرأة بأن تذله , وهو في كل علاقاته يفرض مشيئته على النساء بلا أستثناء".
ثم نهضت واقفة وأردفت متنهدة:
ط أنني أعرف أخي أكثر مما تعرفينه يا أليكس ولا سيما أنك لم تتعرفي اليه بعد".
أستبعدت أليكس حصول اللقاء , وحتى لو حصل يوما فأنه لن يلحظ وجودها على الأرجح لكونه من النوع الذي تفوق خبرته فتاة مثلها , أقنعت أليكس نفسها بهذه الحجة وقالت تعلق بجفاف:
" أنك تحطين أخاك بأطار معتم يا روبي وتعطين أنطباعا بأنه ليس أنسانا جيدا على الأطلاق".
" أجل , أنه ليس كذلك".
ثم أردفت بشيء من الفخر اللاواعي:
" لا أظن أن هناك رجالا كثيرين على غراره , لكن في مقدوره أن يحطم من يقاومه ويسعى الى النيل منه".
" ألسنا كلنا قادرين على ذلك؟".
عقدت روبي أيشاربا حول شعرها المصفف بجمال لتحميه من الريح في الخارج وقالت:
" لك أن تسخري يا أليكس لكن الموضوع ليس مجرد دعابة بالنسبة الي , أنت لا يمكنك أن تتصوري مبلغ معاناتي من جراء مقاومتي المستمرة لمحاولات تزويجي بالقوة".
كيف لها أن تجيبها بدون أن تفضح معاناتها الخاصة في هذا المجال؟
" لو وجدت نفسي في هذا الوضع وكنت أميل كثيرا الى هذا العريس لما تضايقت منه الى هذا الحد".
فأقرت روبي بقولها:
ط أوه , هنري أنسان طيب لكنه يخلو من كل أثارة وزواجي منه لن يعدو كونه مجرد أنتقال من مزرعة مضجرة الى أخرى , ليست لديك فكرة كم تصبح الحياة موحشة في المزارع النائية ألا أذا كنت تحبين العزلة بطبيعتك, أنا............".
رن جرس الباب فقطعت روبي عبارتها وبدت مرتاحة لتلك المقاطعة , ثم عبست فجأة كما لو أنها تخشى عاقبة بوحها بالأسرار وقالت وهي تخرج بسرعة:
"الى اللقاء".
لم تضيع أليكس الوقت وأنصرفت فورا الى غسل شعرها , مصارحات روبي أحدثت فيها أضطرابا مع أنها تعلم جيدا أن روبي سوف تندم عليها قبل طلوع الفجر , يا لها من فتاة غريبة تشكل مزيجا من الشخصيات المتناقضة , لا شك أنها تعاني مشكلة حادة مع أخيها , أما لا تدري كيف تساعدها, وفي الوقت نفسه داخل أليكس شعور بأن روبي قد تكون أكثر قدرة على مساعدة نفسها بنفسها ,كانت قد أنتهت لتوها من تجفيف شعرها وتسريحه عندما رن جرس الباب ثانية , هل نسيت روبي شيئا كعادتها؟ أم أن القادم صديق آخر من أصدقائها العديدين؟ أنها أحيانا تضرب مواعيد لا تلبث أن تنساها وتترك لأليكس مهمة تهدئة الخواطر المنجرحة بدون أن تشكرها على عملها فيما بعد , حاولت بسرعة أن تحافظ على مظهر محتشم فأحكمت عقد حزام الروب حول خصرها وهرولت الى الباب بدون أن تفطن الى أن هذا الشد قد أبرز أنوثتها.
أختفت البسمة الخفيفة على شفتيها حين فتحت الباب لرجل غريب كليا! طوله يزيد عن ستة أقدام, كتفاه عريضتان أنما تخلوان من السمنة وتبدوان عضليتين وخشنتين , شعره كث أسود , أنفه مستقيم , ذقنه تزينها غمازة عميقة وعيناه رماديتان بدأ لونهما يدكن ويخف وهو ينظر اليها من تحت حاجبين متعالين , ألا أنها شعرت فورا أن قوته تكمن في شخصيته , أم أن فمه مبعث جاذبية ؟ راحت أفكارها المتسائلة تتلاطم بجنون , لم تر في حياتها فما ينم عن قوة وعناد كهذا الفم , وتراجعت الى الوراء منكمشة :
" مساء الخير".
حيته بأختناق وهي تحاول أن توحي اليه بأنه قد أخطأ في العنوان , فما الذي يأتي برجل مثله الى هنا؟ رد لها التحية بجفاف ومضى يتفحصها بأمعان كما فعلت هي ,لم يظهر أية دلالة على أعجابه بقوامها النحيل أو على أستحسانه أن رأسها يكاد يصل الى كتفيه , وهنا قررت أليكس أن صوته هو أحلى شيء فيه لكنها سرعان ما أصيبت برعدة خفيفة حين سألها بفتور:
" هل أنا مصيب في ظني بأن الآنسة مارشال تقطن هنا؟ الآنسة روبي مارشال شقيقتي؟".
كان يجب أن تعرف! توردت وجنتاها قليلا وكادت أن تهتف :
" يا للصدف! كنا نتحدث عنك قبل لحظات!".
ولحسن حظها لم تفعل لأنه من الخطر أن ترفع الكلفة مع رجل كهذا , وقالت بصوت وجل:
" أنا.... من الأفضل أن تدخل يا سيد.... مارشال.... روبي ليست هنا الآن".
بدا كلامها غير متزن فعبق خداها بحمرة قانية لفتت أنتباهه ثم شعرت بالخزي حين سمعت نفسها تتلعثم من جديد كتلميذة مدرسة.
" أنا.... ربما تفضل حضرتك أن تعود مرة ثانية لتراها؟".
" بالطبع سأفعل".
سار الى داخل الشقة وفي عينيه نظرة متلذذة بأرتباكها الواضح ثم أردف:
" هل تراك تخفين شيئا لا تريدينني أن أراه , رجلا ربما؟".
أغلقت الباب بسرعة وهي تحمد القدر على أرساله في تلك الساعة بالذات , وأجابته:
" لو كان معي رجل يا سيد مارشال لما وجدت حاجة الى أخفائه , أوه!".
أدركت فجأة ما يرمي اليه فحدجته بغضب متقد وهو يحدق الى الروب الذي يبرز مفاتنها بطريقة أيحائية تقريبا , وشعرت كما لو أنها تتجاوب بأندفاع أعمى مع هذا الغريب لكنها أستعانت بما تبقى لديها من تعقل وقالت بحنق:
" لا أحسبك تتصور أنني أخفي شخصا في غرفة نومي؟".
" سوف أستوضح الأمر فورا!".
تجاهل نظرتها الثائرة وعبر البهو الصغير ليفتح بابين على أتساعهما وليسأل:
" هذه غرفة روبي ؟ وتلك غرفتك؟".
ولما أومأت بالأيجاب لعدم أستطاعتها النطق , مضى يفتح سائر الأبواب كطوربيد بشري مدمر , وهو يقول بأطراء:
" المطبخ , الحمام وغرفة الجلوس , حسنا , ليس لديك رجل ألا أذا كان صديقك يختبىء على السطح".
أحست بغيظ جامح يدفعها الى الأنفجار فهتفت بغضب مشتعل:
" سيد مارشال! أنني أسكن هذه الشقة مع أختك وليس مع نصف دزينة من الرجال ,أنها تسمح لي بالبقاء مقابل أيجار زهيد وأنا ممتنة لها جدا لكنني لست مضطرة الى تحمل الأهانات من أهلها!".
لم يتأثر بتاتا بغضبها وقال بخشونة:
" لم أكمل ما أود قوله ! قد لا تعجبك طريقتي في تسيير الأمور لكنني أملك كل الحق في معرفة ما يجري! أنا الذي يدفع أيجار الشقة ومن حقي أذن أن أطرح الأسئلة التي أريد"
توقف قليلا ثم تابع وعيناه تبرقان:
" لا علم لي بالترتيبات القائمة بينك روبي , لكنني أعلم تماما أنها كانت تتشارك السكن مع أمرأة متوسطة العمر عندما زرتها في المرة الأخيرة , أنا شخصيا رتبت أمر ذلك السكن لأنني أشعر بمسؤوليتي أتجاه شقيقتي , فهل لك أن تخبريني ما حل بتلك السيدة الأخرى؟".
فشهقت أليكس قائلة:
" أسمي لاثام ...".
كانت ترتعد غضبا من طريقته الفجة في مخاطبتها والتي لم يستعملها معها مطلق شخص من قبل , أن روبي لم تبالغ في وصفها له!
وأردفت بالحنق أياه:
" لا بد أنك تقصد ليليان بك التي رحلت قبل مجيئي؟".
" أقصدها بالظبط".
كم كرهت أليكس شعورها بأنه يسيطر على الموقف بتفوق رهيب فيما تتعثر هي بأجوبتها خشية أن تقول شيئا لا تريدها روبي أن تقوله , وردت بصدق:
" علمت أن الآنسة بك قد ألتقت رجلا وتزوجته في غضون أسبوع ثم أنتقلت للسكن في غربي أوستراليا , في مكان لا يبعد كثيرا عن مدينة بيرث".
فقال بتهكم واضح:
" غرام ضربها كالصاعقة؟".
" يبدو أنك لا تؤمن بشيء كهذا؟".
" مطلقا".
ثم تابع بصوت أقل وحشية:
" لماذا لم تعلمني أختي بما حصل؟".
" ليست لدي أية فكرة".
ثم أبتسمت متعمدة أثارة غضبه وأردفت تسأله:
" هل يجب أن تعلم بكل شيء يا سيد مارشال؟ لا أظن أن روبي كانت تعرف مكانك".
" أنها تعرف كيفية الأتصال بي , أما الآنسة بك فلدي ما أقوله لها عندما أراها ثانية , أنت أصغر سنا من أن تستطيعي القيام بالمهمة التي أئتمنتها عليها , وكان على روبي أن تعرف هذا".
" لست متأكدة مما يدور في خلدك لكنني في التاسعة عشرة من عمري".
" أحقا؟".
تألقت عيناه الجلديتان وكادت نظرته المتفحصة تجرف بشرة خديها الممتلئين الناعمين كالحرير ثم قال:
" هل من المفروض أن أقتنع بنضجك؟".
خشيت أن تخونها أعصابها أذا تكلمت ولذا أكتفت بهز رأسها كجواب على تعليقه المغيظ , أما هو فأظهر برودا تاما حين سألها مجددا :
ط هل تعرفين متى سترجع روبي؟".
" أنها .... لا تتأخر كثيرا بصورة عامة , ولكن قد يكون من الأفضل أن تأتي غدا لرؤيتها".
هل يعتزم البقاء في أنتظار روبي؟ كيف ستسليه في هذه الحال ؟ خفق قلبها خوفا من العواقب فكليهما يعلم أن روبي قد لا تعود قبل الفجر , قال بحزم:
" لا يسعني تأجيل رؤيتها ليوم غد حيث أكون رحلت , هناك أشياء مهمة يجب أن أعلمها بها".
ماذا عساها تفعل ما دام هو الذي يدفع الأيجار؟ قالت تدعوه بصوت بارد:
" أذن تفضل , فالبيت بيتك".
" ليس في صوتك ما يدل على الترحيب يا آنسة لاثام , بأمكانك أن تضفي عليه شيئا من الدفء".
فعادت تبتسم بعذوبة وهي تقول:
"من المؤكد أن عدم ترحيبي لن يسبب لك السهد يا سيد مارشال , لم لا تنسى وجودي كليا ما دامت روبي هي المعنية في ريارتك؟".
سألها فجأة :
" هل لديك شراب؟".
وأضاف بتهكم لاذع:
" أنني أحتاج الى شيء يساعدني على التفكير ".
" هل أنت منزعج بسببي؟".
فرد مغمغما :
" جمالك وحده يمنعني من ضربك كطفلة شقية , حين تتعلمين األأبتسام للرجل بدل أثارته بلسانك اللاذع قد تتوصلين الى نتائج أفضل".
لم تتأكد تماما من قصده أنما شعرت بالخجل من نفسها وعجزت عن فهم السر في قدرته على جعلها تتصرف بشكل خارج كليا عن طبيعتها , ليس هناك سبب يمنعهما من التحدث كغريبين مهذبين , قالت بصوت ألطف :
" آسفة , سآتيك بشراب".
أستدار ينظر اليها بأهتمام وقال:
" أذهبي وأرتدي ثيابا مناسبة كي أصطحبك الى العشاء , قد يكون خروجنا أسهل علينا من البقاء هنا".
وتساءلت هل يتكلم دائما بالألغاز ؟ ثم ما بالها لا تناقشه بتاا ؟ يجب أن تعترض , يجب أن تقول شيئا :
" بأمكاني أن أهيء لك عشاء بسيطا , لا حاجة لأن....".
فقاطعها قائلا :
" أوافقك تماما , لكنني لم أوجه اليك الدعوة من باب الشفقة أو لأنك تبدين بحاجة الى وجبة مغذية , بل لأنني جائع وأشعر برغبة في الخروج".
" أذن , لست مضطرا لأصطحابي معك".
تجاهل تشيس جوابها وحدق اليها بوجوم فأدركت أنه من الخير لها أن تكف عن معارضته ,دخلت غرفتها لترتدي ثيابها وأحست نفسها ترتعد ,أستعرضت محتويات خزانتها وأختارت فستانا أزرق من الحرير , أرتدته ومع ذلك تساءلت لماذا أخفق هذا الرداء الرزين ذو الياقة العالية في نيل رضاها هذه الليلة؟
بالطبع أنها لم تلتق من قبل رجلا على غرار تشيس مارشال , شعرت بشيء من العصبية لمجرد التفكير فيه , أنه يملك صفات تسلطية تأديبية من شأنها أن تثير الذعر في قلب فتاة أكبر منها بسنوات عديدة , أن روبي لم تبالغ في وصف غروره الفاق والذي جعلها ترهب الخروج معه.
ألتزم الصمت تقريبا والى أن جلسا في مطعم في ضاحية ساوث يارا , كانت أليكس قد سمعت بأنه يعتبر من أرقى مطاعم ملبورن لتميزه بالهدوء والراحة وبجودة طعامه , بدا تشيس مارشال معروفا تماما هناك أذ لاحظت كيف دبت الحياة بين مستخدمي المطعم لدى دخولهما وكيف أخذوا يتراكضون الى خدمته كلما حرك أصبعا.
عندما خرجت من غرفة نومها وهي ترتدي دثارا من الفراء الكريم حول كتفيها ألقى عليها نظرة تقييمية سريعة لم تخل من لمحة أعجاب معينة , ماذا كان يتوقع يا ترى؟
بعد أن طلب العشاء أستدار اليها وفاجأها بقوله :
" يخيل الي أنك صغيرة السن وبريئة جدا , أنك لا تليقين بتاتا للمهمة التي تأخذينها على عاتقك".
تفحص محياها ثانية وأردف:
" تبدين في السابعة عشرة من عمرك".
لم يعجبها أن يقيمها ويحكم عليها بكل هذا الأستخفاف فردت عليه بصراحة مماثلة:
" أن كنت أبدو أصغر من عمري بسنتين فلا أحسبني قادرة على القول أن الشيء نفسه ينطبق عليك".
ثم تقصدت أن تجول بصرها المركز في الخطوط المحفورة في وجهه الوسيم , الخطوط العميقة في جبينه العريض الدال على ذكاء وأضافت :
" أنك تبدو أكبر سنا".
" مما يدل على أنك تعرفين عمري بالتحديد؟".
" من خلاب حديث أختك عنك, علمت أنك في السادسة والثلاثين أو أكبر بعام , أذن لست متقدما كثيرا في السن".
" أن عمري لم يشكل لي أية أعاقة لغاية اليوم يا آنسة لاثام , ولو كنت أمرأة لأختلف الأمر بالطبع , أذن أنت في التاسعة عشرة وتفتربين من حدود العشرين ؟".
" كلا , لقد أنهيت التاسعة عشرة قبل أيام".
هتف بهدوء أنما بتأكيد :
" يا ألهي! ما الذي جعل روبي تتصور أنني سأوافق على أن تقوم طفلة مثلك بدور المرافقة؟".
أتسعت عيناها الزرقاوان وسألته:
" وهل أنت مضطر الى أيجاد مرافقة لأختك؟ هل تحتاج بالفعل الى حارسة؟".
قال بشيء من الأستغراب:
" بالطبع تحتاج الى مرافقة , الآنسة بك كانت ملائمة جدا لهذا العمل , بعكسك أنت تماما".
يبدو أن أحتجاج تشيس يتعدى قضية العمر الى أمور أخرى , ولذا أجابته بحدة:
" أدرك أنك كونت فكرة سطحية عن قدرتي , أنما هل نسيت أن أختك في السادسة والعشرين من عمرها مما يجعل فكرة حراستها تبدو سخيفة ومستهجنة ؟".
" لم أفعل ذلك من منطلق الحفاظ على التقاليد".
" أوه , فهمت , تقصد أن الآنسة بك كان مطلوبا منها أن تتجس وتزودك بالتقارير تباعا".
قال بدون أن يطرف له جفن:
" صحيح , أن شئت أستعمال هذا التعبير".
" هذا تصرف محط للكرامة في رأيي".
فقست عيناه الرماديتان وقال بصوت بارد:
" لو كنت مكانك لأحترست في الكلام يا آنسة لاثام , لقد تأكد لي أنك تلقين الكلام جزافا , لكنني أدرى منك بشقيقتي وبما هو الأفضل لمصلحتها , وافقت على أرتباطات معينة قبل مجيئها الى هنا ولن أسمح لها بالتملص منها".
وفجأة فقدت أليكس أهتمامها بالموضوع أذ لم تجد سببا يدعو الى تدخلها , قالت بلا أكتراث:
" حسنا , سترى أختك قريبا لتسوي هذه المشاكل معها , في الواقع لا شأن لي بالموضوع".
" مع من خرجت هذه الليلة؟".
تنهدت مستسلمة لهذا الرجل الذي لا يذعن لأحد على الأطلاق , أجابته بهدوء:
" خرجت برفقة رجل تعرفت اليه قبل بضعة أسابيع , لقد ألتقيته شخصيا وهو يدعى ألكساندر براون , من غريب الصدف أن أسمه الأول مثل أسمي تماما على مذكر".
" وبأي أسم يخاطبك الناس؟".
" أليكس , تصغير لأسم ألكساندرا".
أبتسم بوجوم وقال:
" فهمت .... الأمر يزداد تشويقا , هل هي مولعة بهذا الرجل بحسب علمك؟".
تذكرت أليكس قول روبي بأن أخاها يسعى الى تزويجها , أذن يجب أن تحترس في الجواب وقالت بأنزعاج:
" لست متأكدة من عواطفها أتجاهه , أعلم فقط أنها تميل اليه

widad
مديرة الموقع

تاريخ التسجيل : 29/07/2016

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Empty رد: العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر

مُساهمة من طرف widad في السبت أغسطس 06, 2016 4:56 pm

2- شعرك كزهر الربيع
عندما تكلم تشيس ثانة أصغت أليكس الى صوته الملح بشيء من الخوف:
" أتظنين الأمر جدي بالنسبة اليها ؟".
" أسمع يا سيد مارشال أنا لا أعلم شيئا عن مدى جديته , لقد تعرفت الى السيد براون , أنه يبدو شابا لطيفا جدا وروبي تخرج معه , هذا كل ما أعرفه , وأعتقد أنه يتوجب علينا الأنتقال الى موضوع آخر".
" سنفعل ذلك".
أستغربت أن يوافقها بهذه السهولة , وبدا مستعدا لتغيير الموضوع , ألا أن أرتياحها لم يطل لأنه بدأ يركز حديثه عليها:
" هل عشت طويلا في أوستراليا يا آنسة لاثام؟".
تطلعت اليه متسائلة فأردف ببسمة تهكمية:
" أن أقل أختلاف في اللكنة يكشف منشأ الناس".
هل تراه يدقق في هويتها وعائلتها؟ أذن لن يأخذ منها أكثر من أجوبة عادية , قالت معترفة:
" منذ كنت في اعاشرة من عمري".
" وما تزالين وردة أنكليزية أصيلة , شعرك بلون زهورالربيع الأنكليزية حين يبللها مطر الربيع الناعم , بشرتك بلون الكريما المصبوغة بالورد, لكن زرقع عينيك أغمق من زرقة سمائكم , كان يجب أن أشبهك ببرعم وردة وليس بوردة متفتحة؟".
كان صوته جافا لا يوحي بالأطراء فقررت ألا تشكره , ركزت أهتمامها على عجة البيض اللذيذة وأخذت تأكلها على مهل , لقد أدركت ما يرمي اليه لكنها رفضت الأنجذاب الى الصنارة , سواء كانت بريئة كالبرعم أم لم تكن , فهذا ليس من شأنه , كما أنها ستفشل في مجاراة خبرته في أي ميدان يقرر اللعب فيه , أذن الصمت هو ملاذها الوحيد , لم يزعجه سكوتها بل تابع يسأل بأسترخاء:
ط لماذا أنفصلت عن أهلك في السكن؟".
" لأنهم يعيشون في سيدني".
" أحقا؟ أعجب كيف سمحا لك بالأبتعاد عن بصرهما؟".
" ليس كل الأهل يحبون التملك يا سيد مارشال".
ثم تذكرت أمها فشحب وجهها حتى البياض , ضاقت عيناه وكأنه يريد أن يعرف سبب شحوبها , فسألها مستفزا:
" قد تقولين بعد قليل أن النساء لا يحتجن الى من يحميهن ويرعاهن".
شمخت بذقنها قليلا وردت:
" لن أجرأ على أخبارك أي شيء يا سيد مارشال أذ يبدو أن لك آراء خاصة تتشبث بها , أن المرأة العصرية.......".
توقفت لحظة لتستجمع أنفاسها فقاطعها بجرأة خشنة :
" لا أعتقد أن الأمر ينطبق عليك يا أليكس".
حدجته بنظرة متقدة وهي لا تدري لماذا جرحها كلامه في الصميم , قالت بغضب:
" قد لا أكون بلغت مبلغ النساء بعد , أنما لا أظن أنني أفتقد الكثير مما أريد الوصول اليه , لقد قررت أن....".
فقاطعها للمرة الثانية قائلا:
" لوكان لدي الوقت الكافي لأستطعت أن أجعلك تعدلين عن قرارك بسرعة".
أخذت نبضاتها تتسابق بجنون بالرغم من كرهها لغروره وتسلطه وعنجهيته , حبذا لو يبتلي يوما بأمرأة تركعه على قدميه! لكنها قالت له بعذوبة :
" أذن يجب أن أشكر الله لأنك لن تجد وقتا لذلك".
رفع كأسه الى شفتيه وقال بنظرة ساخرة:
" سيكون من السهل أيجاد وقت لك يا أليكس لاثام , لو كنت أكبر سنا بقليل لفكرت في ذلك جديا".
راقبت عينيه وهما تتحولان الى ألق فضي و قالت وشفتاها تنفرجان عن أبتسامة حلوة:
" لن أظل دائما في التاسعة عشرة".
" لكن الهوة ستظل موجودة".
" أتقصد هوة العمر؟ أجل , ستظل موجودة , أعتقد أن الفتيات في عمري يبعثن فيك الملل".
ركز بصره على فمها المرتجف ثم رفعه الى عينيها وأجاب:
" فقط عندما يتكلمن مثلك , أخبريني ,ماذا يعمل والدك؟".
" أنه عالم في الكيمياء الحيوية ويعمل لدى مؤسسة للأبحاث في سيدني".
ذكرت له أسمها فأومأ برأسه وقال:
" أعرفها , منذ متى بدأت العمل في ملبورن؟".
أخبرته بأيجاز ثم قالت بعد أن سألته بجرأة عن خططه.
" تقول روبي أنك تقضي معظم وقتك خارج البيت".
" أنني أدير شركة كبرى يا أليكس لا مزرعة واحدة , لو كان الأمر كذلك لأصبحت الحياة أبسط بكثير مما هي عليه , لكنها ليست مكتظة بالعمل بالنسبة الى روبي وسائر عائلتي , هل أخبرتك ذلك يا ترى؟".
" هل يهمك الثراء الى هذا الحد؟".
" أنه ما يزال أهم شيء في الحياة بالنسبة الى أناس كثيرين".
" أخبرتني روبي أنك تحب الأشراف على المزرعة".
" أسمها كولابرا وأنا أحبها بحرارة لا تشاركني أياها شقيقتي , أنها لا تستمتع الا بالترف الذي تؤمنه لها".
" لكن السهر على المزرعة هو الذي يضاعف أنتاجها".
" بالطبع"
راح يحدق فيها متأملا فيما بدا ذهنه منشغلا بأمور أخرى , وكأنه يفكر في أمرين مختلفين في الوقت نفسه , مزرعته الغالية ومصالحه المهنية البعيدة عنها ,ولسبب غامض شعرت أليكس أنها تتلقى حصة كبيرة من أهتمامه أذ لن تستطيع مطلق أمرأة أن تستحوذ عليه كليا في يوم من الأيام.
بعد العشاء أعادها الى الشقة عبر شوارع المدينة المضاءة , كان يقود سيارة فارهة بدت أنها تخصه , لكن حين سألته أليكس عن الوقت الذي أستغرقه في الوصول الى ملبورن أجابها مبتسما:
"أنا أسافر بالجو أختصارا للوقت والتعب , لدي شقتان واحدة في سيدني وأخرى هنا".
لم تستفسر عن عنوانه في سيدني وكانت تفكر في كلامه عندما وصلا الشقة , من الواضح أن أرتباطاته المهنية تضطره الى قضاء بعض الوقت في كلا المكانين , أنما سيدني مدينة كبيرة ومن المستبعد أن تلتقيه فيها عندما تعود اليها.
جلسا معا ينتظران أياب روبي ثم أحست أليكس بتوتر مفاجىء يتصاعد بينهما , عرضت ان تصنع القهوة فأومأ برأسه ولما عادت بها تناول فنجانه ثم أخذ يرشفه ويحدق اليها بتركيز كما فعل في المطعم , تضايقت أليكس وشعرت وكأنها تشكل له لغزا لا يعرف بالضبط كيف يفك رموزه , فهذه أول مرة في حياتها تتعرض لتفحص دقيق كهذا يجعل قلبها يتجاوب بغرابة ويخفق بجنون بين ضلوعها فأشاحت عنه لتخفي أضطرابها.
تنفست الصعداء عندما رجعت روبي باكرا , وحالما دخلت غمغمت أليكس بسرعة : تصبحين على خير , وتجاهلت نظرة الفتاة المندهشة والمستاءة من وجود أخيها.
وفيما هي داخل غرفتها سمعت روبي تقول أنها ستصنع لنفسها فنجانا من الشاي , ويبدو أن تشيس لحق بها الى المطبخ الصغير لأنها أستطاعت أن تسمع حديثهما بمنتهى الوضوح , كان تشيس يسألها:
" روبي , أين كنت؟".
تناهى الى أليكس صوت الماء يملأ الأبريق ثم جواب روبي الوقح :
" كنت خارج الشقة , ما الذي يثير فيك كل هذا الأضطراب والغضب؟".
" لا شيء سوى أضطراري الى أنتظارك ساعات طويلة وحيث تيبست أطرافي من الضجر!".
أطلقت روبي ضحكة خبيثة وسألته:
" ألم تجد رفقة أليكس مسلية؟".
" كلا!".
أحست أليكس ببرودة تغزو وجهها ,نظرت في المرآة قبل أخفاؤ رأسها تحت الوسادة فأذا به أبيض كالقطن , لقد أثّر فيها تشيس مارشال بطريقة غريبة لكنها مالت اليه بشكل ما , كذلك شعرت بأنه أعجب بهاأيضا , وشعرت بشيء في داخلها يمتد اليه بالرغم من تلك الحيرة التي كانت تقاذفها , ومع ذلك كان يشطو الضجر طوال الوقت! كم كانت حمقاء حين تصورت أن العكس هو الصحيح! وعلى فرض أنه مل رفقتها بالفعل , أما أستطاع أن يخفي الأمر في نفسه ؟ هل كان عليه أن يخبر روبي؟ لسعت الدموع عينيها وأحست أنها تكرهه , لن تثق بمطلق رجل في المستقبل!
كادت أن تختنق فرفعت رأسها طلبا للهواء , كانتمستمرين في الحديث وسمعت تشيس يقول لأخته بصوت قاس:
" لقد كتبت الى أيزوبيل بيري وأخبرتها أنك ستذهبين في أجازتك مع شخص يدعى أليكس".
" أجل , أنها الفتاة التي تعشيت معها لتوك".
" لكنها ليست أليكس الذي قصدته ,كما أو وقت أجازتها لم يحن بعد , لقد سألتها , أنت خرجت الليلة مع رجل يدعى أليكساندر وينادى بأليكس من باب الأختصار".
" من أخبرك ذلك؟".
" الآنسة لاثام".
" أوه! يا للغبية الصغيرة!".
" أعتقد أنك أنت الغبية يا عزيزتي , فصديقتك أيزوبيل نقلت الخبر عبر الهاتف فأنتشر في كل الشمال , هنري سمعه فجن جنونه".
" أيزوبيل بيري! بقد وثقت بها!".
وبدا صوت تشيس جافا حين أجاب:
"لا أدري كيف وثقت بها وأنت تعلمين أنها تلاحق هنري منذ سنوات".
" لكنها صديقتي الحميمة!".
" أحقا؟".
فأحتجت روبي قائلة:
" أنا لست مخطوبة لهنري".
" أذن خير لك أن تتخذي قرارا لأنها قد تكون فرصتك الأخيرة , أن كنت عازمة على قضاء أجازتك مع أليكس لاثام فلماذا لا تعرف ذلك؟".
" لأنني لم أخبرها بعد".
فرد تشيس بصوت حازم:
" عظيم , عليك أن تخبريها غدا صباحا ولا حاجة لأيقاظها الآن, وحين تسألك عن مكان الرحلة قولي أنكما ستذهبان الى كولابرا , سأمر عليكما في أليس سبرينغز وآخذكما من هناك".
" لن أعود الى البيت!".
" خير لك أن ترجعي فجميع الناس يعتقدون أنك ستذهبين مع رجل الى باربير ريف ولذا عليك أصطحاب الآنسة لاثام معك لأقناع الناس ولا سيما هنري- بأن أليكس هي فتاة وليس رجلا , أما أن تفعلي هذا أو تفقدي هنري , وأذا أنتهت علاقتكما تنتهين معها , لقد تحملت منك ما فاق طاقتي".
فقالت أخته بعصبية ساخرة:
" كيف ستتحمل وجود أليكس لاثام في المزرعة؟ أنها ليست من نوعية نسائك".
" ليست مثلهن لكنني لن أمكث هناك أكثر من يوم أو أثنين الى أن تستقري , لقد أضعت ما يكفي من الوقت بسببك".
عادا الى غرفة الجلوس فلم تستطع أليكس أن تسمعهما بوضوح وبعد فترة قصيرة غادر تشيس الشقة , لم تتوقع أن ترى روبي حتى الصباح التالي ولذا فوجئت حين أحستها تدخل الغرفة كالصاعقة , تظاهرت بأنها قد صحت لتوها من النوم فهبت بها روبي صارخة:
"ما الذي جعلك تحدثين تشيس بأمر أليكسندر؟".
" لقد سأني عنه ولم أعتقد أن الأمر سر يجب أخفاؤه ".
رمقتها روبي بنفاذ صبر وقالت:
" الآن علي أن أمضي أجازتي في كولابر ا كذلك يريدك أن تذهبي أيضا".
تظاهرت أليكس بالأستغراب الشديد وسألت:
" أنا؟ لماذا أنا بالتحديد؟".
" لأنني , لفرط غبائي , أفضيت لصديقة لي بأنني سأمضي أجازتي مع شخص يدعى أليكس , وهكذا يريدك تشيس أن ترافقيني الى كولابرا لنقنع الناس بأن أليكس هي أنت".
" أكنت تنوين بالفعل أن تمضي أجازتك مع أليكسندر؟".
فردت روبي بخفة:
" كنت أفكر في ذلك , في أي حال , أن هنري برت , الجار الذي أخبرتك أن تشيس يريد تزويجي منه , قد سمع الخبر وأستشاط غضبا .
وفجأة داخل أليكس شك خفي بأن روبي تروق لها فكرة غضب هنري! أزاحت شعرها عن جبينها وسألتها:
" هل تحبين جارك هذا؟".
بدت الحيرة على روبي وقالت عابسة:
" ألا ترين أن هذا ما كنت أحاول أكتشافه ولهذا السبب كنت أخرج مع رجال آخرين لكن تشيس لن يعطيني الوقت الكافي".
عادت أهانات تشيس تجرح قلب أليكس فقالت وهي تبتسم بوجوم:
" لا أظن بأنني سأتمكن من مرافقتك لأسباب عديدة أهمها أن موعد أجازتي لم يحن بعد , وحتى لو أستطعت الحصول على أجازة فلن أقضيها معك أنت, عفوا , لا أقصد أن أكون وقحة لكنك لن ترغبي في وجودي معك كما لا يحق لأخيك أصدار أية أوامر لي".
في السادسة صباحا أستيقظت أليكس على صوت حديث في الشقة فقفزت من الفراش لتتحرى الأمر فأذا بها ترى روبي تخاطب شخصا على الهاتف , تراجعت الى الخلف قبل أن تفطن الفتاة لوجودها وأخذت تسترق السمع كما فعلت في الليلة السابقة , سمعت الفتاة تقول بصوت خفيض:
" أنها لن توافق يا تشيس , سأحاول أقناعها عندما تستيقظ لكنني متأكدة بأنها لن تغير رأيها".
توقفت قليلا ثم قالت:
" أجل , أعرف أن جميع النساء في نظرك قابلات للأقناع , لكنني لست رجلا ولم يسبق لي أن أن أستخدمت سحري للتأثير عليهن".
صمتت روبي مرة أخرى وقالت بعدها:
" بالطبع يمكنك أن تحاول , يا للفتاة المسكينة ساعة تقع بين يديك! حسبتك ستتوجه مباشرة الى سيدني ؟ أجل , سأخرج عند العاشرة وأخلي لك الجو , مع السلامة يا تشيس".
كانت أليكس تتظاهر بالنوم عندما فتحت روبي الباب لتتأكد من ذلك , أنسحبت بهدوء تاركة أياها تغلي كالمرجل! أذن يعتقد تشيس مارشال أنها سوف تمتثل لأمره حالما يطلب منها ذلك , حسنا عليه أن يفكر مرة ثانية لأنه لن يستطيع أقناعها بالذهاب الى كولابرا ,لم يكن الأمر فقط أنه أعترف بلا خجل بملله القاتل من صحبتها , أو أفتراضه المغرور بأن ما عليه ألا أن يناديها لتهرع اليه راكضة , بل كان هناك شعور غامض في داخلها يحذرها من مغبة الأقتراب منه.
كانت غاضبة أنما شعرت بأضطراب عاطفي محير يتدفق في كيانها كجدول هائج الأعماق , أحست كأن هناك عدوا مجهولا يهاجمها ولما أستنتجت في الأخير بأن تشيس قد حرك شيئا في أعماقها , لم تقدر أن تصدق بأنه في هذه المشاعر.
توقعت أن تتابع روبي محاولة أقناعها لكن الفتاة لم تقل شيئا , وغادرت الشقة في التاسعة والنصف لتحافظ على موعدها الأسبوعي , كل صباح سبت , مع مزين الشعر , ربما شعرت بأن كلامها سيعقد الأمور أكثر أو ربما لم تعد راغبة في ذهاب أليكس الى المزرعة بعدما فكرت في أمرها مليا.
أحجمت أليكس عن لبس ثيابها فتشيس يريد أن يفاجئها وستدعه يعتقد أنه قد نجح في ذلك , ثم طرأت لها خاطرة جديدة.... لماذا لا تعقّد الأمور وتعذبه لبضع ساعات على الأقل؟ ألا يستحق أن يعاقب؟ لماذا لا تجر هذا الرجل المغرور وراءها وتوهمه بانها ساذجة بالفعل كما تصور ؟ لقد حظيت منه بعشاء غخم فلم لا تحظى بوجبة غداء؟ أذا أستعملت ذكاءها وسخرته لمصلحتها فقد تحصل على أشياء أكثروبالتالي ستفرح بمراقبة وجهه أكثر حين ترفض طلبه في النهاية!
رن جرس الباب فخفق قلبها بعنف, أدركت لحظتها مدى رغبة تشيس في تزويج أخته من هنري , وألا , لماذا يحمل نفسه كل هذه المشقة ويصر على أقناع هنري بأن روبي لم تكن ذاهبة مع رجل آخر في أجازتها ؟ لقد ذهب الى أبعد من هذا أذ عدل عن مغادرة ملبورن في الصباح ليقنعها بالذهاب معهما بالرغم من أعترافه المكشوف بأن رفقتها تبعث فيه الملل!
فتحت له الباب وأقرت فورا بأنه شخصية نادرة ومميزة , فمع أنه كان يرتدي بنطلونا عاديا وسترة بسيطة ألا أنه بدا محاطا بهالة من الثراء والسلطة , أربكت أنفاسها وجعلتها تشك في قدرتها على مقاومته , لم تفطن الى تعابير وجهها التي تحولت , ما بين لحظة وأخرى , من التماسك والثقة الى خجل ولهفة .
حاولت جهدها أن تظهر أستغرابها الشديد لمجيئه وهتفت:
" أوه! لم أتوقع عودتك يا سيد مارشال , آسفة , روبي خرجت لتصفف شعرها".
أهداها أبتسامة ساحرة رنحت قلبها وقال:
" لقد عدلت عن مغادرة المدينة هذا اليوم , ولم آت لرؤية روبي ".
" أذن جئت لتراني أنا".
حاولت أن تبدو ناضجة وخفيفة الروح فدخل الشقة برشاقة وأغلق الباب قائلا بصراحة:
" أجل , قصدت رؤيتك".
جوّل بصره في بنطلونها الضيق وبلوزتها القطنية الأضيق وأردف:
"لا أحسبك ستذهبين بدورك الى المزين؟".
" كلا , أنا أصفف شعري بنفسي".
" شعرك ساحر , أعجبني لونه مساء أمس , وهذا الصباح".
لمسه برقة وتابع:
" يبدو أجمل بكثير في ضوء الشمس".
" شكرا".
قال بصوت مهذب:
" أعتقد أنك رفضت دعوة روبي الى زيارة كولابرا؟".
لم توقع أن يفاتحها بالموضوع بهذه السرعة فترددت قليلا ثم أرشدتها الغريزة الى أن تجيب برهبة:
" أنها خطوة كبيرة بالنسبة الي يا سيد مارشال".
أنتظرت أن يمطرها بوابل من المجادلات ولذا فوجئت حين قال بهدوء:
" يجب أن أذهب الى مدينة جيلونغ الساحلية وهي تبعد خمسين ميلا فقط , ما رأيك أن تأتي معي ؟ سأزودك ببعض المعلومات عن كولابرا عل الطريق , لا داعي لأن تبدلي ثيابك , سنبتاع طعاما على الطريق ونتغدى على الشاطىء".
أحست برغبة في الضحك , فكلاهما يشترك في لعبة الأنتظار ذاتها أنما من أجل هدفين مختلفين , وللمرة الثانية خطر لها أنه متلهف جدا الى تزويج أخته بدليل أستعداده لتحمل رفقتها المضجرة , أما بالنسبة اليها فهذا ما كانت تصبو اليه تماما
كادت ترضى بنصيحته وتذهب التي ترتديها لكنها سرعان ما تذكرت دورها في اللعبة أذ يجب أن تجعله يدفع ثمن غداء فاخر وليس ثمن بضعة ساندويشات وزجاجة عصير! هزت رأسها معترضة وتوسلته بعذوبة أن ينتظرها قليلا لبينما تبدل ثيابها , دخلت غرفتها ووقفت تفكر .... لماذا لا تجعله ينتظر نصف ساعة؟ أن يم يرق له ذلك فليمض في حال سبيله , وجدته في أنتظارها حين عادت اليه في فستان ربيعي لم يستغرقها أرتداؤه سوى لحظات , كان يجلس مسترخيا على مقعد وثير يشرب شايا ويقرأ جريدة اليوم السابق , علق وعيناه تحتويانها بتكاسل:
"تبدين ساحرة , لم يذهب أنتظاري عبثا".
" آسفة على تأخري".
لقد تأخرت عليه نصف ساعة وأكثر , لكنه نهض واقفا بليونة وأجابها :
" لا بأس , قليل من الصبر وأحصل في النهاية على ما أريد".
لم تدر سببا لعنادها حين قالت بأصرار:
" لكن ذلك نوع آخر من الأنتظار".
" ربما".
" ألم يرهقك الضجر؟".
" كلا".
رمقها بنظرة حادة أكدت لها أن سمعها لم يخنها ليلة أمس لكنه سرعان ما أردف بلطف وأسترخاء:
" لقد تصرفت بحرية كما ترين وأستمتعت بصنع الشاي وقراءة الجريدة حيث لفتني خبر غريب كنت أجهله".
كانت سيارته في أنتظارهما وأحست بجسمها ينزلق بأستمتاع على المقعد الوثير , جلست بعيدا عنه وهو يقود السيارة بسرعة حذرة عبر المناطق الصناعية والى القسم الغربي من المدينة في أتجاه أوتوستراد الأمراء , وشرح لها تشيس أن مدينة جييانغ , الواقعة على سواحل بورت فيليب باي , هي معبر لمقاطعة فيكتوريا الغربية , ومعظم المنطقة بينها وبين ملبورن مزدهرة بالعمران , وخلف ألتونا تقع القاعدة الجوية العسكرية في لافرتون , أنطلقا على الأوتوستراد الرئيسي ومنه الى بلدة وبريبي وهي مركز تسويقي لزراعة الخضار وأنتاج الألبان والأجبان .
لم تكن أليكس قد زارت هذه المناطق من قبل ولذا أصغت الى شرح تشيس بلذة وأهتمام لما أبداه من براعة في الوصف والتعليق , ولا مدينة جيلونغ أو بالأحرى المرفأ المتواصل النشاط الذي ينقل البضائع المحلية ويصدر الى الخارج حوالي خمسة وعشرين بالمئة من القمح الأسترالي , كذلك تقام فيه سوق سنوية لبيع الأصواف , قال تشيس أنه يحضرها عادة لكن معظم الأصواف تخرج من ملبورن , أنتظرته أليكس في السيارة ريثما أنهى زيارته لشركة تجارية ضخمة , لم يغب طويلا ومع ذلك فرحت لرؤيته ثانية وأستغربت شعورها هذا , سألها مبتسما:
"هل أشتقت اليّ؟".
هزت رأسها بنفي كاذب وسألته بدورها:
"اتوقعت مني ذلك؟ أننا بالكاد تعرفنا الى بعضنا بعضا".
بدأ يعبس مشككا ثم أختفى عبوسه وقال:
" أجل , بالكاد... أليس كذلك؟".
أحست للحظة بتردده وبأنزعاجه من شيء ما , أنما لا يعقل أن يكون شعورها صحيحا بالنسبة الى رجل واضح الأرادة ومعتاد على تحقيق رغباته , أرتجفت داخليا ولم تدر السبب .
رمقها بنظرة ثاقبة وقال منطلقا بالسيارة:
" ما رأيك بتناول الغداء؟ ألست جائعة؟".
أستجمعت شجاعتها وقالت:
" نعم , لكنني لا أشعر برغبة في أفتراش الشاطىء".
" هل نفرت فجأة من الرمال أم مني أنا؟".
" بالطبع لا!".
" لا عليك , أن فكرة الذهاب الى الشاطىء لم تكن مناسبة في أي حال , فلا أحسبك جئت معك بثوب سباحة".
شعرت كتلميذة مدرسة وكرهته لهزئه بها , رق قلبه فأزاح بصره الساخر عنها وقال:
" حسنا , ربما في مرة ثانية , لنذهب الآن الى فندق".
جلست الى جانبه ساكنة وهو يشق طريقه بالسيارة بلا تردد أو أضاعة وقت , هل تراه يتقرب الى الناس بالطريقة ذاتها؟ بوسعه أن يكون متحجر القلب حين يشاء ,وهكذا عجزت عن خنق خوفها المتزايد.
أختار فندقا قدم لهما غداء لذيذا وغالي الثمن كما تمنت , ألا أنها لم تشعر بذلك الأنتصار الذي حسبت أنها ستحصده , أمطرها بأسئلة متنوعة حول عائلتها وأصدقائها وبدون أن يكرر أي سؤال طرحه عليها في الليلة السابقة.
" هل لديك صديق مفضل في سيدني؟".
أجابته بالنفي أذ لم تجد حاجة الى الكذب عليه , فبعد أنقضاء نهاية الأسبوع من المستبعد أن تراه ثانية , رفع حاجبيه بأرتياب وقال:
"لا بد أنك تعرفين شبابا عديدين ما دمت على هذا القسط من الجمال".
" أمي تحب الحفلات وحضورها , وبالتالي تعرف عائلات كثيرة لها أبناء وبنات وربما أكبر قليلا , لكن ليس لدي صديق خاص".
فعلق بجفاف:
" لا داعي للأستعجال ما دمت في هذه السن".
ولأول مرة أحست نحوه بالأمتنان والى أن وعت أنه يقصد روبي على الأرجح , لماذا أصراره على تزويج أخته بسرعة وهي ما تزال في السادسة والعشرين؟ أجابته بخفة لظنها بأن جوابها قد يساعد روبي بطريقة غير مباشرة :
" لن أفكر في الزواج لسنوات طويلة ".
فرد وهما يستعدان للخروج:
" أو الى أن تلتقي رجلا يجعلك تغيرين رأيك ؟".
بعد ذلك أصر أن يريها المدينة القديمة وأخذ يبين لها الأماكن والأبنية المثيرة للأهتمام , ثم أبتاع لها باقة جميلة من الورد الذهبي الفاتح وقدمها لها قائلا:
" أنها تناسب لون شعرك تماما".
تقبلتها بوجه متورد فتعمق سروره وشعرت أنه وجد في أرتباكها دليلا على وقوعه في سحره العظيم وعلى قرب نجاحه في مهمة أقناعها , فأشتد تصميمها السابق على أذلاله فهتفت بفرح وهي تخفي أفكارها الحقيقية خلف أبتسامة عذبة:
" شكرا يا سيد مارشال!".
أومأ بأستحسان وطلب اليها أن تناديه تشيس فلم تستغرب ذلك وعادت تشكره بأبتسامة أخرى ونظرة رزينة جعلتاها تندهش قليلا من محاولاتها كما أشعرتاها بشيء من الخجل , كذلك عجبت من عدم أرتيابه بشيء , أنها لا تجيد التمثيل ووجدت صعوبة مستحيلة في مناداته بأسمه الأول , وفي الأخير قررت ألا تخاطبه بأي أسم وأملت أن لا يلحظ ذلك , عادا الى ملبورن في السادسة مساء , وكانت تحمل , أضافة الى الزهور , علبة من الشوكولا الفخمة , كدسة من المجلات الغالية وزجاجة كبيرة من العطر الثمين , خشيت من التفكير في سعرها وحين أحتجت على غلاتها بعفوية وسرعة أكتفى بالأبتسام وأقترح أن تتشاركها مع روبي.
بعد هذا الوابل من الهدايا القيّمة تملكها شعور بالذنب وأستغربت عدم تطرقه الى موضوع المزرعة , وحتى عندما وصلا الشقة لم يشر الى الموضوع بكلمة , أتراه غيّر فكره؟ لا , لا يعقل هذا , فليس هناك رجل يصرف على فتاة بقدر ما صرف وبدون أن يهدف الى شيء بالمقابل.
بدأت تشك في ذكائها وبمقدرتها ثم سمعته يقول بلهجة أستبدادية:
" لقد خاطبت روبي بالهاتف عندما كنت تصلحين زينتك في غرفة السيدات في المطعم , هذه اللية سنتعشى معها ومع عدد من أصدقائها".
فاجأها كلامه فلاذت بالصمت , حدقت اليه منذهلة الوجه متوترة الأعصاب وقالت:
" لست متأكدة من أستطاعتي قبول الدعوة".
تقلصت ملامح وجهه بغضب مكتوم وأيقنت أن السبب هو عدم تقبلها الدعوة بلهفة وفرح , كما أنبأها غضبه بوضوح تام أنه ما يزال عازما على أقناعها بزيارة مزرعته النائية وأن صبره بات على وشك النفاد , أن ترددها في مشاركته العشاء هذه الليلة بدا أنه يضيف وقودا الى خيبته المكتومة ولن تدهش أذا أشتعل غضبه كاللهب , ألم تحرقها هي أيضا الرغبة في الأنتقام وتحملها على بذل أقصى جهدها لأشعال هذه النار؟ عادت تقول:
" آسفة".
وراحت تبحث عن عذر مقبول تقدمه , فقال:
" لقد أخبرتني أنه ليس لك صديق تهتمين به بصورة خاصة".
" ليس هذا السبب ".
" ما هو أذن؟".
وضع يده على ذراعها فشعرت بقشعريرة تسري في جسمها النحيل ,أذعرها هذا الأحساس وجعلها ترتجف , أقترب منها تشيس وكأنه واثق من عجزها عن الأستمرار في مقاومته , شد بصرها الى عينيه الدافئتين وقال برقة:
" لقد أستمتعت بهذا اليوم , أليس كذلك يا أليكس؟".
لم تجد داعيا للأنكار فهي أستطاعت بالرغم من توترها وحيرتها أن تستمتع برفقته بشكل ما , فقالت بصوت متقلص:
"أجل".
أرخى ذراعها وقال بنظرة مفكرة:
" أذن سأراك في ما بعد حوالي الثامنة".

widad
مديرة الموقع

تاريخ التسجيل : 29/07/2016

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Empty رد: العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر

مُساهمة من طرف widad في السبت أغسطس 06, 2016 5:05 pm

3- فراشة في القفص

حين صعد الى سيارته لوّح لها مودعا وقال:
" ستذهبين الى الفندق مع روبي لكنني سأرجعك الى البيت بنفسي".
عندما ألتقيا في ما بعد أستقبلها بدفء ومودة وكأنهما لم يعرفا الخصام في أية لحظة من اللحظات , أحست بسحره المتدفق وبتأثيره على النساء الأخريات المدعوات الى العشاء , حمدا لله على أنها تعرف رأيه الحقيقي فيها ولولا ذلك لتهافتت عليه مثلما يفعلن , أنها تضجره!هذه الحقيقة التي أعترف بها , دفعتها مجددا الى الأنتقام منه , فلما دعاهاالى الرقص بعد العشاء تعمدت أن تقترب منه أكثر , كذلك أرغمت نفسها على الأبتسام له بطريقة متمهلة مغرية قلدت بها نساء أخريات , أنما لم تستعملها مع أي رجل من قبل, أخذت ترقب النتائج بلهفة , وداخلها أنتصار ممزوج بالرهبة حين أكفهرت عيناه وتقلصت ذراعاه حولها , سمعت أجراس تحذير ترن بوضوح في ذهنها لكنها تجاهلتها بأحتقار.
بر تشيس بوعده وأرجعها بنفسه الى الشقة , أما روبي فدهبت رأسا من المطعم الى منزل صديقة لها دعتها الى شرب القهوة , لم يحضر أليكساندر حفلة العشاء وتساءلت أليكس , هل يعني هذا بداية حملة تشيس ؟ قد تكون مخطئة في تصورها , لكنها أخذت أنطباعا واضحا بأنه حرص على أفهام جميع المدعوين بأنها تدعى أليكس وأنها شريكة روبي في الشقة , شكت للمرة الثانية في أستغلاله لها وشعرت بمزيج غريب من التعاسة والغضب , أما روبي فلم يبد عليها أي أنزعاج بل أظهرت مرحا ملحوظا طوال السهرة.
أوقف تشيس السيارة وأستدار اليها فتوقعت أن يسألها عن كولابرا لكنه لم يفعل , ولو كانت هي في ظروف أخرى لأنهت القضية وصارحته , ألا أن أهانته لم تتوقف عن أيلامها وبقيت مصممة على السكوت , أذا أستمرت في أضاعة وقته الثمين فسوف يكون غضبه مضاعفا في النهاية وهذا هو هدفها الرئيس , أن يتعلم تشيس العظيم درسا ينحفر في ذاكرته , وحين سألها أذا كانت مرتبطة بعمل ما في اليوم التالي أستغربت هزة رأسها العفوية فسألها باسما:
" أذن ما رأيك أن تقضيه معي يا أليكس؟".
تناول يدها ورفعها الى فمه فكادت أن تقفز أضطرابا من ملمس فمه الدافىء والقوي لكفها , سرت فيها نار فجذبت يدها منه بصرخة مختنقة , وفجأة تذكرت بذعر دورها المزعوم فحاولت أن تبتسم وكانت لسوء الحظ أبتسامة خجولة مهتزة ومرتبكة , ألا أنها أحدثت في تشيس أرتياحا غريا وأسترخى وجهه القاسي حين رفع رأسه ورأى عينيها تتسعان بعصبية , وهذه المرة كرر سؤاله بلطف أكبر , فهمست لعجزها عن ضبط أنفاسها اللاهثة:
"كما تشاء".
قال بأختصار:
" عظيم".
أتى في الصباح وقضيا طيلة النهار معا , أصطحبها الى شاطىء منعزل وجميل لم يشاركهما فيه أحد , قال لها موضحا:
"أنه ليس في روعة بعض الشواطىء في جزر باربير ولكنه سيلبي حاجتنا لبضع ساعات:
فأعترفت بأسى:
" لم أذهب مطلقا الى باربير ريف".
رد مداعبا وهو يتأمل قوامها الفتي الجميل:
" سأعرفك اليه أن شئت"
تسلطت عليها نظرات تشيس البادية الأعجاب وجعلت قلبها يخفق منزعجا , تمالكت ضعفها وأجابته منتقدة:
" أمرك عجيب يا سيد مارشال فالقانون الذي تسنه لأختك لا تسنه للفتيات الأخريات!".
أجابها ضاحكا:
" ما أسرعك الى أساءة فهمي يا آنسة لاثام , أنا لم أقترح فكرة منافية للأداب , كل ما في الأمر أنني فكرت في رحلة الى كولابرا , القريبة نسبيا ".
فقالت محاولة خنق أمله بلطافة:
" دائما تفترض وصولي الى كولابرا في النهاية!".
تنهد برقة وقد بدا واضحا أنه لا يريد أخذ كلامها على محمل الجد وقال:
" أليكس , أنا نمارس لعبة صغيرة والى حد معين , لقد أستمتعنا بها جدا لكن كلينا يدرك بأنك ستذهبين اليها".
أذن حانت لحظة المواجهة ! أحست بأسف حزين لأن بهجتها بالشاطىء وبأنعزاليته الرائعة ستنتهي الآن كالحلم , ومع ذلك حاولت أن تراوغ فقالت بضعف وليس بتأكيد:
" آسفة , لا يمكنني الذهاب".
ركز بصره في عينيها وقال محذرا:
" ستشعرين بأسف أكبر أن ضيّعت عليك رحلة كهذه , لا تخطئي يا أليكس فكولابرا مكان رائع".
أرهبها أتقاد الفخر في صوته فغطت عنقها لتخفي عروقه النابضة وقالت:
" لا جدال أنها مزرعة رائعة , لكنني لست أختك ولا يحق لك أن تصدر ألي أوامرك أو أرغامي على طاعتك عن طريق الأبتزاز".
" أذن هناك طرق أخرى".
دنا منها بثقة فائقة ألا أنه لم يحاول لمسها فأدركت غريزيا أن هذا ليس مقصده أنما كان يهددها ضمنا لمعرفته التامة بأن التهديد غالبا ما يوصل صاحبه الى ما يريد وخاصة حين يستخدمه مع فتاة بريئة مثلها , لكنها خشيت أن تعجز عن مقاومته أذا حاول التمادي معها , أستمر يتمعن فيها ويقرأ أفكارها أيضا, كانت عيناه تلتمعان وهما تتأملان عينيها كيف أتسعتا بعاطفة متصاعدة حتى بدت زرقتهما المتألقة وكأنها تفيض لتصبغ البياض حولها.
" أليكس , لا أحسبك مررت بتجربة حب أو بأية تجربة أخرى , أنك تملكين من الجمال النائم ما يعجزني عن مقاومتك وعن أغرائك بالطرق المعهودة , ليس الآن".
أيقظتها تأملاته من البلادة التي كانت تغزوها وقالت بغضب:
" لو كنت من نوعية نسائك لما وجهت الي هذا الكلام , ولما توانيت عن أبتزازي لتجعلني أوافق على الذهاب الى كولابرا , أليس كذلك؟".
ثار فيه السخط فقبض على كتفيها وهتف وهو يغرز أصابعه في لحمها بلا شفقة:
" يا ألهي! أنك تستحقين صفعة على هذا الكلام! كنت ألمح فقط الى القول بأنه لو كانت معي أمرأة أخرى , لما أمتنعت".
من حسن حظها أنها لم تعد مراهقة سخيفة لتنخدع بمناورات كهذه , نظرت اليه بعناد وقررت أستخدام ورقتها الرابحة الكفيلة بأسكاته , فقالت:
" لقد نسيت يا سيد مارشال أن أجازتي لم يحن وقتها بعد , وهكذا ترى أنه لا يمكنني الذهاب حتى لو شئت ذلك".
" بالأمكان تدبير الأجازة , فهذا الموسم مناسب لزيارة الشمال وحيث الطقس أدفأ من هنا".
" قد يكون الأمر كذلك لكنك لا تتوقع مني أن أتخلى عن عملي , من المحتمل أن أجد وظيفة أخرى بيد أنني أحب هذه جدا".
" هل أحببتها بهذه السرعة؟ في أي حال, يمكنني أن أرتب لك أجازة ".
| أنت؟".
" أجل , كنت أفضل بالطبع لو أنك ذهبت من تلقاء نفسك الى رئيس دائرتك وتقبلت الأجازة التي كان سيمنحك أياها عن طيب خاطر , بدل أن تعرفي مني الآن بأن الشركة تخصني".
" أنك تدهشني!".
أهتزت بالفعل للخبر , حدقت الى البحر بعناد لتخفي أضطرابها الشديد , كانت أمواجه الزبدية تتكسر على الرمال البكر كما سيتكسر قلبها أن لم تحترس من هذا الرجل , سألته بوجوم:
" هل تنجح دائما في تسيير حياة الناس بهذه السهولة؟".
" أحيانا أعرف صالحهم أكثر مما يعرفونه".
أرغمت نفسها على النظر اليه وقالت:
" كروبي مثلا؟".
" وأنت أيضا".
" آسفة يا سيد مارشال , أنك مهما حاولت أن تفعل فلن أوافق على الذهاب , أضافة الى أن روبي ليست صديقة مقربة مني".
" بالرغم من مساعدتها لك؟".
بدا واضح الحنق , فتسالت كيف يمكنها أن تغضبه وتضجره في الوقت نفسه؟ غرزت قدمها في الرمل وأعترفت لنفسها بأنها غير متأكدة من سبب موقفها المتصلب , أليس تصرفها في مستوى عناده وأصراره؟ لكن ماذا تفعل بكرامتها التي تتحكم فيها بشكل غريب فلا تقدر أن تقاومها؟ قالت له بأستعلاء:
"كم مرة يجب أن أفهمك بأنني لن أغير رأيي؟ أنا ممتنة بالطبع لكل ما نويت فعله من أجل مصلحتي كذلك أنا ممتنة لمساعدة روبي".
وفجأة أزاح يديه عن كتفيها وقال ملوحا بهما في حركة لا مبالية :
" لننس الموضوع , فأنا أرفض أضاعة يومين في مجادلة فتاة جميلة , وقد تقررين المجيء الى كولابرا قريبا".
كان يحدجها بنظرة فاترة فشهرت بصغر سنها ولم تعرف كيف أستطاعت أن تصمد أمامه لغاية الآن , هل كانت لتقدر على ذلك لو لم تسترق السمع الى عبارته المهينة تلك؟ الآن أضاف اليها أهانة جديدة غززت تصميمها على أن لا تدعه يتغلب عليها بجاذبيته الطاغية ,لقد أعلن بثقة أن كلمة منه كفيلة بمنحها الأجازة المطلوبة , ألم يحن الوقت لأن يجد من يقول له(لا) ويتمسك برفضه؟
سبحا في البحر وراعت طوال الوقت أن تبقى بعيدة عنه بالرغم من أحساسها برغبة متزايدة في الأقتراب منه , وحين كان يقترب منها وأطرافه القوية تشق الأمواج بسهولة كان قلبها يتسارع في الخفقان فتبتعد عنه بشعور كاره للسخرية البدية في عينيه , بعد ذلك دعاها الى العشاء فأستغربت أن يزعج نفسه بدعوتها بعد الحديث الذي دار بينهما , وأشتدت حيرتها عندما عارض عودتهما الى الشقة كي تبدل ثيابها , وافقته بشيء من الأرتياب , وحاولت أقناع نفسها بأن مظهرها لا يهم أنما أحست في قرارة نفسها بأنه مهم بالنسبة اليها على الأقل , أما هو , ومهما كان نوع لباسه , فيبدو دائما ذا شخصية جذابة ومميزة ! من دواعي سرورها أنه سيغادر ملبورن هذا اليوم , أذ قد تعجز عن مقاومته الى ما لا نهاية ولا سيما أن كرامتها تهيب بها صارخة أن تبتعد عنه في أسرع وقت , عادت كبرياؤها تقوي عزيمتها حين وصلا الشقة وأنحنى عليها بغتة ليقول هامسا:
" يجب أن نودع نعضنا لكنني سررت بمعرفتك, بل بدأت أشعر بأنني سأفتقدك , ألا تظنين أنك ستشتاقين الي يا أليكس؟".
أحنى وجهه بسرعة فأغضبتها وقاحته وهتفت:
" كلا!".
لفحت أنفاسه فمها قبل أن تسقط شفتاه على خدها , كانت قبلة عفيفة كالتي يمنحها لعمته التي تعيش معهما لكنها أدركت أنه قصد أن يلفتها الى مشاعر أخرى.
وفيما كان وجهه يحوم على محياها كريشة لا تود الأبتعاد عنه , أحست جسمه القوي يتصلب , بدا للحظة كما لو أنه أصيب بصاعقة , ثم عانقها بحرارة مفاجئة وتولد لديها أنطباع غائم بأنه كان يقاوم مشاعر لم يعرف لها من قبل مثيلا , وأن الدرس الذي عوّل على تلقينها أياه قد أرتد اليه بطريقة ضايقته كثيرا , تراجعت عنه مبهورة الأنفاس وتشابكت عيونهما للحظات طويلة غامضة ثم همست أليكس في الأخير :
" تصبح على خير يا تشيس .... ووداعا".
كادت أن تقذف بنفسها من السيارة لفرط أنفعالها وزاد أضطرابها حين ودعها بخشونة ساخرة وهي تصفق باب السيارة , وفي غرفة نومها طرحت نفسها على السرير ورأسها يدور كالمروحة , شعرت بشيء من الغثيان وبنبضات متسارعة تغزو عروقها جميعا , حاولت أن تفسر ذلك كنتيجة لذعرها ألا أنها لم تجد مطلق عزاء من معرفتها بأن تشيس قادر على أحداث هذا التأثير العميق فيها , لا يعقل أن تكون قد أنجذبت اليه , فكيف تنجذب الى رجل مثله , يجوب البلاد من مكان الى آخر ويعامل النساء بهذه الطريقة العادية واللامبالية ؟ من الجنون أن تتمنى التعرف اليه أكثر , وبحميمية أكبر.... هكذا ألح عليها صوت ماكر في داخلها وجعلها تقفز أرتياحا حين رن جرس الهاتف.
لا يعقل أن يكون تشيس لأنه ما يزال في الطريق الى شقته ولذا رفعت السماعة بيد ثابتة نسبيا وذكرت رقم الشقة:
" أليكس , حبيبتي , أهذه أنت؟".
كانت أمها تحدثها ,بعد بضع دقائق أعادت السماعة الى مهدها بيد مرتجفة وقد صعقها الخبر الذي تلقته , لقد أخبرتها أمها أنها ستأتي الى ملبورن نهاية الأأسبوع مع صديقتها الأنكليزية , وأن دون فيشر سيأخذهما وسيمكث معهما لبضعة أيام , وأضافت السيدة لاثام بصوت خفيض ومنتصر بأن دون سيأتي معه بأجمل خاتم رأته في حياتها , وتابعت برضى بالغ:
" والده بات رجلا مرموقا في سيدني ,وقد أخبرني بنفسه أنه يوافق على زواجك من دون لأنه يريده أن يستقر ويؤسس عائلة , لن تجدي عريسا أفل منه يا أليكس".
فهتفت أليكس مرتاعة:
" لكنني لن أستطيع الزواج من دون فيشر , فأنا لا أحبه , أضافة الى أسباب أخرى".
قالت أمها بنبرة أحتجاجية طالما أستخدمتها في أجتماعات اللجان:
" هذا هراء يا حبيبتي! سوف يساعدك دون على تغيير رأيك في القريب العاجل".
" لن أكون هنا".
فسألتها أمها بصوت بارد:
" لن تكوني هناك؟ لماذا بحق السماء؟".
حاولت أليكس جهدها أن ترد بهدوء:
" يجب.... يجب أن أذهب الى الشمال في مهمة للشركة".
" الى الشمال؟".
" أجل , أنهم يحتاجون الى مساعدة أضافية في المكتب ,وفي أحدى المزارع الكبرى هناك , هذه الأمور تحدث أحيانا كما تعلمين ولا يمكنني أن أرفض".
صمتت أمها فجأة فضرعت الى الله بأن يغفر لها كذبتها ثم أبتهلت اليه أن يساعدها , أذ أدركت لحظتها أنها أحرقت جسورها وعليها الآن أن تذهب الى كولابرا , أما أذا كان تشيس قد غير رأيه فقد تضطر الى التوسل اليه!
ثم سألتها أمها بحرد وأرتياب:
" أتعلمين كم ستمكثين هناك؟".
" ربما أسبوعين أو ثلاثة, لست متأكدة , يمكنك أن تخابري المكتب في ملبورن أن شئت".
فقالت أمها بأمتعاض:
" حسنا , أظن أنك لن تتغيبي طويلا لكن دون سيزعل كثيرا , سأجعله يخابر مكتبك في أواخر الشهر ليسأل عن موعد عودتك , يجب أن تفكري جيدا في تقديم أستقالتك ورجوعك الى البيت".
فغمغمت أليكس بطريقة جبانة:
" سأفكر في ذلك".
لم يكن من السهل عليها أن تخابر تشيس وتعلمه أنها غيرت رأيها , كانت روبي قد دونت رقم هاتفه في دفتر صغير , فجلست أليكس تحدق به لوقت طويل قبل أن تؤاتيها الشجاعة على أجراء المخابرة , سوف يعتقد بطبيعة الحال أن تلك اللحظات القليلة التي قضتها بين ذراعيه قد جعلتها تراجع أفكارها , لقد لثم خدها فقط لكن لا بد أن خبرته الفائقة قد مكنته من قياس عمق تجاوبها , وكل ما ترجوه الآن أن لا يكون توصل الى نتيجة من شأنها أن تغريه على محاولة أخرى , بدأت تدير قرص الهاتف وقلبها يقفز بين ضلوعها:
"نعم؟".
أجاب بأقتضاب أجفلها فأبتلعت ريقها وقالت:
"أنا أليكس لاثام يا سيد مارشال , لقد ..... قررت .... أن أذهب الى كولابرا!".
ران صمت قصير أوحى اليها بأن المفاجئة أذهلته لكن من المستحيل أن يندهش لأي شيء! قال يعلق بجفاف:
" هذا تغيير مفاجىء , لماذا بدلت رأيك؟".
لم تشأ أن تخبره التفاصيل كي لا تورط أمها ودون فيشر , فكيف تفسر لرجل مثل تشيس مارشال تصرفات أمها وماذا تقول له عن دون؟ أنه سيضحك ساخرا , وهي, أحتراما منها لكرامة أبيها , لن تطيق هزئه بأمها.... أنه الولاء , المتأصل فيها أتجاه أهلها والذي لا يمكنها تجاهله , ولذا حاولت يائسة أن تغطيه بقولها:
" لقد غيرت رأيي فجأة , أنا أفعل ذلك أحيانا...".
" يلذ لي أن أتعرف الى طباعك".
" أمي كلمتني بالهاتف قبل قليل فأخبرتها بأنني سأذهب الى كولابرا ".
" وهل أعتبرت الزيارة تحصيل حاصل ؟ أنسيت أنك رفضت دعوتي قبل نصف ساعة؟".
" أذن أنت لا تريدني؟".
" لم أقل ذلك".
توقف كما لو أنه يحزم أمرا ثم أدرف:
" وجودك ضروري لتسوية أمور روبي".
غصت أليكس بريقها من هول صراحته , لكن الحذر أهاب بها ألا تدع الفرصة تفوتها فأجابته:
" قلت بأنك تستطيع تدبير أمر الأجازة؟".
" أجل , سأتدبر كل شيء , شكرا يا آنسة لاثام , سأتصل بك قريبا ".
خيل اليها أنها لمست أحتقارا بسيطا في صوته فأعادت السماعة بتمهل الى مكانها , من الواضح أعتقاده بأنها كانت تعتزم الذهاب مع روبي من الأساس لكنها تظاهرت بعكس ذلك كي تحصل منه على أقصى ما تستطيع مكاسب ! تمنت لو وجدت الجرأة لتخبره أنها ما قررت الذهاب الى كولابرا ألا لتتخلص من خطوبة ستفرض عليها فرضا , وبأنها ما سمحت له بصرف المال عليها في عطلة الأسبوع ألا لأنها سمعته يقول لأخته أن رفقتها تضجره حتى العظام ! ليتها تجاهلت عبارته تلك! فلو أنها لم تخرج معه لما أحتضنها بتلك الطريقة في السيارة , ولن تلوم ألا نفسها أذا أستمر هذا الأنجذاب وأحدث لها مشاكل أثناء أقامتها في ا لمزرعة.
بعد ثلاثة أيام مفعمة بالأضطراب وجدت نفسها في كولابرا , لقد سافرت مع روبي جوا الى أليس سبرنغز حيث أستقبلهما مدير المزرعة وحملهما الى كولابرا في طائرة تشيس الخاصة.
كانت أليكس , كمعظم الأوستراليين , معتادة على السفر الجوي المحلي لكنها لم تسافر قط في طائرة صغيرة كهذه , وحين غادروا أليس سبرينغز , البلدة الشهيرة الواقعة في منتصف البلاد , أحست بخوف ورهبة , نظرت روبي بأستغراب الى عينيها المذعورتين وقالت لها بلطف:
" من الأفضل أن تسترخي وألا لن تتغلبي على خوفك أبدا , هذه واحدة من عدة طائرات يملكها أخي فهو لا يسافر الا بطريق الجو".
أما أندرو بليك , مدير أعمال المزرعة فقد أبتسم لها مشجعا أذ شعر بالعصبية بعينيها الزرقاوين , ويا لها من زرقة زاهية لم ير لها من قبل مثيلا! كان الأعجاب الصريح في عينيه كفيلا ببث الثقة في مطلق فتاة عادية الجمال ألا أنه دعمه بقوله:
" قد تموج الطائرة قليلا بسبب الحبوب الهوائية , لكن الأخطار أكثر لو سلكنا الطريق البرية تحتنا ".
" آمل أن أتغلب على خوفي ".
فرد متشدقا :
" ستتغلبين عليه مع الوقت , شيئا فشيئا ".
صدقته , لكنها لم تخبره بأنها لا تملك وقتا كثيرا .... أسبوعان أو ثلاثة على الأكثر , حسبما قالت روبي التي ما أنفكت تظهر تذمرها من هذه العودة , وبالرغم من ذلك شعرت أليكس أن الفتاة تخفي سرورا معينا تحت قناع تذمرها الملول , أذ ضبطت في أحدى المرات نظرة فرح راقصة في عينيها.
كان أندرو بليك في الثلاثينات من عمره وذا وجه مرح وسيم , ألتفتت اليه روبي وشرعت تحدثه قائلة:
" لا أدري لماذا يحمل تشيس نفسه كل هذه المشقة لأعادتي قسرا الى البيت , كنت سأذهب مع أليكس الى باريبر ريف".
فأجاب أندرو:
" أننا لا نناقش أخاك يا روبي, ولا بد أن لديه مبررا لتصرفه".
" أما يزال في كولابرا؟".
ضحك الرجل وقال:
" وصل مساء أمس وكل ما يمكنني قوله أنه يتحدث عن بقائه فيها".
" ليس من عادته أن يمكث أكثر من يومين , لا بد أنك أخطأت فهم كلامه".
أصغت أليكس الى الحوار بمشاعر متضاربة أذ كان أهتمامها موزعا بين تشيس مارشال والمشهد تحتها , كم يبعد ذلك الأفق؟ ركزت أليكس بصرها لتسبر حدوده فيما توصلت الى نتيجة , لو كان تشيس معها لأخبرها ذلك , فخلال رحلاتهما خارج ملبورن زودها بكنز من المعلومات ..... عندما جاء الشقة ليعطيهما التذاكر والتعليمات لم يمكث ألا ساعة وبعد ذلك لم تره لثلاثة أيام , لا يعقل أنها أشتاقت اليه في هذه الفترة؟
وفجأة ظهر تحتهما قطيع من الماشية ومعهم رجال يمتطون الخيل , فقال أندرو:
" هذه ماشية دينتيلو داونز , ترى, كم أخذوا من عندنا؟".
" ألا تفعلون شيئا لأيقاف ذلك؟ أقصد سرقة الآخرين لمواشيكم ؟".
فأجابها مبتسما وقد أدرك سوء فهمها:
" أوه , لن أذهب الى حد القول بأن هؤلاء الرجال لصوص!فلدينا أتفاقاتنا ومبادلاتنا الخاصة التي تؤمن النجاح والأكتفاء لجميع الأطراف المعنية , لم تعد الأمور كما كانت من قبل ".
فعلقت روبي بجفاف:
" بعضها لم يتغير ".
أغتاظت أليكس من عدم فهمها لهذا الحوار الذي يتبادلانه بمنتهى الوضوح ويظنانه عاديا جدا لا يحتاج الى تفسير , ولذا سرها أن تسمع أندرو يهتف بفرح:
" هذه هي يا آنسة روبي! كولابرا!".
فعلقت روبي ببرود بأنها لم تغب عنها سوى أشهر معدودة لكن أليكس شهقت بأنفعال حين وقع بصرها عليها من الجو وحيث بدت كحقل من الفطر الأنكليزي ينتشر هنا وهناك في أجمات بيضاء , بدأت الطائرة تهبط فرأت منزلا كبيرا مسورا بالأشجار وحوله ساحات وأبنية تتبعثر على مسافات متنوعة و ومن مجرد النظرة الأولى , أحست شيئا يقبض على أوتار قلبها ويهدد بأن لا يفلتها أبدا , وكأن ذلك المكان ينتظر قدومها منذ ولادتها ويستعد الآن لأستقبالها بأذرع مفتوحة , ثم بذلت أليكس هدا لتتحكم في مشاعرها فأسدلت أهدابها لتخفي بريق عينيها الفاضح وأخذت نفسا عميقا.
حامت الطائرة ثم هبطت ببراعة ورشاقة على فسحة قريبة من المنزل وكأنما شعر أندرو بأنه يأتي بأناس عظماء وأراد أن يعطيهم أفضل أنطباع عن مهارته , توقفت الطائرة نهائيا فسارعت روبي الى الوقوف لأعتيادها على السفر في الطائرات الصغيرة بمنتهى الراحة أما أليكس فأحست بأرتجاف بسيط في ساقيها وهي تتلمس طريقها خلف روبي وأندرو.
رمشت حين واجهتها أشعة الشمس اقوية ثم رأت سيارة جيب صغيرة تتقدم بسرعة بقيادة تشيس , كانت تعلم أنه في المزرعة أنما لم تتوقع أن يأتي الى مدرج المطار الصغير لأستقبالهم , هبط من السيارة فلحظت أنه يرتدي بنطلونا من جلد الخلد مع قميص متعدد الألوان وقبعة واسعة الأطراف , بدا لها فورا أكثر نفوذا مما بدا في ملبورن وحيث الثياب اللاصقة بجسمه الفارع أضفت قوة على شخصيته النابضة بالحيوية .
" مساء الخير يا أليكس وأهلا بك في كولابرا".
نظر الى بشرتها البضة متفحصا ظلال الأرهاق تحت عينيها وحبيبات العرق الملتمعة على جبينها العريض وفوق شفتها العليا المثيرة , ثم تمعن في عينيها , ولفترة قصيرة من الزمن شعرت أنهما وحيدان على سطح الأرض .
لم تكن روبي معتادة على أن يتجاهلها أحد , حتى شقيقها فقالت بصبر نافذ:
" أن أليكس قادرة تماما على العناية بنفسها يا تشيس , قد تبدو قابلة للأنكسار لكن ثق بأنها لا تنكسر".
أستدار اليها تشيس وقال بحدة:
" كان بوسع مطلق غبي أن يراها وهي تكاد تسقط من الطائرة , هذا النوع من الطيران لا يعتاده المرء بسرعة".
مشت روبي بلا أكتراث الى سيارة الجيب تاركة أليكس تلحق بها منفردة فيما أنصرف تشيس وأندرو الى أنزال الحقائب , أختارت روبي أن تجلس على المقعد الخلفي , ولم تعرف أليكس هل أرتاح تشيس لهذا الترتيب أم أنزعج منه وذلك لخلو عينيه من أي تعبير , فمه فقط أوحى بغضب مؤقت حين جلس خلف المقود وأستدار ليحدق اليها بتركيز , وصلا المنزل فأستقبلتهم الآنسة مارشال , العمة التي تشرف على شؤونه بالنيابة عن تشيس , كانت في أواخر الستينات وما تزال بهية الطلعة مهيبة المظهر وذات وجه أنيس ينم عن أصالة خلقية وعزم , لحظت التعب على وجه أليكس المعبر فقالت لروبي على الفور:
" أصعدي مع الآنسة لاثام الى الغرفة الوردية التي هيأتها لها , سأطلب الى السيدة يونغ أن تقدم الشاي بعد نصف ساعة وهذا وقت كاف لكي تغتسلا وتبدلا ثيابكما ".
أما تشيس فقد أختفى بعدما عرّف أليكس الى عمته لكن حين نزلت من الطابق العلوي بعد نصف ساعة وجدته مع الآنسة مارشال في غرفةالأستقبال التي قادتها اليها فتاة باسمة بدت أنها من سكان أوستاليا الأصليين.
لوحت لها هارييت مارشال وقالت:
" تفضلي يا عزيزتي, أين روبي؟".
" لقد أعتذرت عن تناول الشاي".
جلست بشيء من العصبية على مقعد قريب وهي تحس حضور تشيس بشكل عنيف , وقالت الآنسة مارشال تعلق بأستياء على تغيب روبي :
" أغلب الظن أنها تريد التهرب من أسئلتي".
ثم أستدارت الى تشيس مستوضحة:
"هل أخبرتها أن هنري سيزورنا في وقت لاحق؟".
أجابها بأقتضاب وعيناه على أليكس:
"لم أفعل بعد".
كانت أليكس ترتدي فستانا صيفيا ذا حمالتين على الكتفين يؤمن لها الأنتعاش , أختلجت شفتاه فتساءلت , هل يهزأ من أحتشامها؟ نظرت اليه متحدية ثم أحمر وجهها وشعرت بالغباء حين واجهت نظرته الباردة المتفحصة , بالطبع , أنه لن يشعر بأي شيء أتجاه فتاة تثير فيه الضجر!




widad
مديرة الموقع

تاريخ التسجيل : 29/07/2016

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Empty رد: العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر

مُساهمة من طرف widad في السبت أغسطس 06, 2016 5:09 pm

4- المشاعر كالأراجيح

فاجأها تشيس بالسؤال :
" ما رأيك في المكان يا أليكس؟".
ألتفتت اليه بسرعة وتكوّن لديها أنطباع غريب بأن جوابها يشكل أهمية بالنسبة اليه , كانت نظرته الثاقبة تخترقها وكأنه يبحث عن ردود فعل داخلية قد يوازن بينها وبين الجواب التقليدي الذي يتوقعه منها , ولذا ردت عليه بحذر:
"لم يتح لي الوقت الكافي لأكوّن رأيا ".
ثم عجزت عن ضبط أنفعالها فهتفت بعفوية:
"أظنه رائعا! لم أر له شبيها من قبل!".
" أتقصدين البيت؟".
خفضت بصرها الى فنجان القهوة لتخفي خيبتها المفاجئة , من الطبيعي أن يعتقد أنها لم تر سوى البيت الذي يصعب وصفه , أنه أنيق مريح ويفوق بمراحل فخامة البيوت الثرية التي رأتها من قبل , ومن شأنه أن يثير الدهشة والأعجاب حتى في نفس المرأة المعتادة على الرفاهية والثراء , أذن لن يتوقع تشيس من فتاة مثلها أن تلحظ أي شيء سواه.
أومأت وأجابت على سؤاله ببسمة خجولة:
" البيت جميل بالطبع لكنني لم أنتبه له عندما شاهدت كولابر للمرة الأولى".
سألها ببرود مرح:
" أتقصدين أنك أعجبت بها من الجو؟".
" لك أن تقول ما شئت".
ثم نظرت اليه بشيء من الأستياء وأردفت:
" لا موجب لهزئك ! أنك تستقبل زوارا كثيرين ولا أعتقد أنني أول زائرة أنصعقت بشيء لا يفسر وهي تراه من الجو, لكنني متأكدة أن كل فردوس أرضي لا تخلو من الشوائب".
أجابها برقة:
" لا تنظري اليّ وكأنني أكبر شائبة في هذا الفردوس , أن قلت أنك وقعت في حب كولابرا من النظرة الأولى , فذلك يفرحني بالطبع أنما لا تدعي الأنطباعات الأولى تجرفك , فكولابرا شاسعة المساحات ولا يمكن التعرف اليها دفعة واحدة".
أبتسمت الآنسة مارشال وقالت بفخر:
" أجل , فمساحتها تقدر بخمسة آلاف ميل مربع وما فوق , وهي واحدة فقط من عدة مزارع أخرى".
فعلقت أليكس :
" ذكرت روبي أن كولابرا جزء من شركة".
ردت العمة بهدوء ولك بأعجاب واضح:
" تشيس هو الشركة يا عزيزتي , أنه يشرف على كل شيء".
لم يحر كلاهما جوابا فأبتسمت العمة مجددا وسألت ضيفتها:
"منذ متى تعرفين روبي يا آنسة لاثام؟".
فقال تشيس قبل أن تفتح فمها:
" أليكس تعمل في المكتب ذاته كما تشارك روبي السكن في الشقة أو بالأحرى فعلت ذلك منذ أن غادرتها الآنسة بك".
قالت العمة على الفور:
" آه , نعم , كانت تلك قصة غريبة ! لا أتصور حبا صاعقا كهذا يحدث بتلك البساطة".
ولما أمتنع تشيس عن التعليق أستدارت الى أليكس تقول :
" ألا تظنينه أمرا فائق الغرابة أن تقع المرأة في الحب بهذا الشكل؟".
وللمرة الثانية أجاب تشيس بالنيابة عن أليكس فقال بهزء ناعم:
" لا جدوى من سؤالها يا عمتي ما دامت لم تقع في الحب بعد".
حدّق الى الفتاة منتظرا تورد وجهها ولما تخصّب بالفعل كرهت قدرته على أثارتها , نظرت في عينيه وأجابته غاضبة:
" أن عدم وقوعي في الحب لا يمنعني من الأستعانة بخيالي".
بادلها النظر ورد ساخرا :
"أوه , لا ريب أنك تتمتعين بخيال خصب لكن يتوجب عليك كما يتوجب على الآنسة بك , أن تضعي أحلامك موضع التنفيذ , فلا بد أنها أكتشفت الآن أن الحياة واقع يعيشه المرء بدون أن يتطلب منه الوقوع في الحب".
أنتهوا من تناول الشاي فتنفست أليكس الصعداء أذ بدت أنها تثير معارضة تشيس لكل حوار وحديث , وحين أستدعي الى خارج البيت خيل اليها أن عمته تنهدت أيضا بأرتياح.
وقالت العمة كمبرر لأستدعاء تشيس المفاجىء :
" المشاغل تلاحقه بأستمرار , أرجو أن يلتقي بفتاة مناسبة ويستقر في حياته و فهو أن تزوج وأنجب أطفالا يشدونه الى كولابر , فلن يتوانى عن أنابة أناس آخرين في أدارة أعماله الأخرى البعيدة".
كانت روبي قد لمّحت الى أهتمامه بأمرأة معينة فأحست أليكس بحشرية دفعتها الى أن تسأل عمته:
" أليست له صديقة خاصة؟".
أجابت الآنسة مارشال بأستياء:
"مؤخرا كان يصادق نجمة سينمائية ! هذا الصنف من النساء لا يفكر أبدا في الأستقرار".
هوى قلب الفتاة لكنها تابعت أستيضاحها:
" من يدري , فقد تفعل ذلك".
" ليس مهما ما ستفعله يا عزيزتي أذ أخبرني تشيس أن علاقتهما أنتهت ووعد بأن يحاول البحث عن فتاة أكثر تعقلا".
صعب على أليكس أن تتصور تشيس مندمجا مع فتاة من هذا النوع فقالت بجفاف:
" الفتيات العاقلات مضجرات الرفقة , أحيانا".
ومع ذلك فوجئت بجواب الآنسة مارشال :
" هذا ما قاله تشيس بالضبط وجعله يبدو كتحذير , لكن أي فتاة لن تكون أسوأ من دافينا وأرجو ألا يكون تأخر كثيرا في فكرة الزواج".
" تأخر كثيرا؟".
"لم أقصد العمر يا عزيزتي , النساء ينجذبن الى وسامته لكنه من النادر أن يظهر جدية في ما علاقاته معهن وأخشى أن يستمر على هذا المنوال ".
خلال العشاء راحت عينا أليكس تشردان صوبه , لماذا لا تكف عن الأنجذاب اليه مع أنها ما تزال منجرحة من عباراه الصريحة السابقة ؟ تمنت لو تنساها لكنها لم تقدر , لعله من الخير لها أن تعرف رأيه الحقيقي فيها , أي أنها خانعة ومضجرة , فذلك سيمنعها على الأقل من أفتقاده فيها , أي أنها خانعة ومضجرة , فذلك سيمنعها على الأقل من أفتقاده بعدما يرحل , أن بضع كلمات جارحة قد تشكل لها حصنا منيعا تحتمي وراءه عندما تهاجم مشاعرها الحساسة أفكار عاطفية مضنية.
كان تشيس يجلس الى طرف المائدة الطويلة المتألقة وعمته تجلس الى الطرف الآخر.
تكلمت الآنسة مارشال كثيرا وبدا واضحا أنها تستمتع بوجود الناس حولها , كان فستانها أنيقا غالي الثمن , كما فستان روبي , وشعرها مسرحا بروعة وفي ما عدا ذلك لم تحاول أخفاء سنها , داخلت أليكس قناعة بأنها أمرأة محافظة من عدة نواح والى حد زرع فيها مبادىء خلقية عالية لا يمكن أن تحيد عنها , كان تشيس ساحرا كمضيف وجامدا قليلا أنما لا يفوته شيء مما يجري , حين أستقره عيناه عليها شعرت بسرور لأنها أستطاعت أن تجد وقتا لأبتياع فستان جديد قبل مغادرتها ملبورن , كان خصيصا للسهرة من قماش الجورجيت , لونه عاجي ويلف قوامها بجاذبية وذو ياقة مفتوحة بأعتدال , ومع ذلك ودت لو يكف تشيس عن النظر المتكرر الى فتحة فستانها أذ أشعرها ذلك بأنه يتعمد أثارتها بجرأة لا مبالية , أما هنري برت الذي كان يجلس الى جوار روبي , فقد جاء في موعد العشاء لأضطراره الى حضور أجتماع مهم في مدينة برسيين , عند وصوله أظهر كثيرا من تصرفات الغضب بطبيعة الحال لكن سرعان ما صفا مزاجه بعدما تحدث مع روبي وتعرف الى أليكس , لقد رددت روبي أسمها أكثر من اللزوم مما جعل وجه هنري يشرق أطمئنانا ومع ذلك شعرت أليكس أن روبي قد تضطر الى شرح تفاصيل كثيرة فيما بعد ولم تحس أليكس شفقة كبيرة أتجاهها , فالسيد برت بدا كرجل أعيد الى رشده وتساءلت عن الشيء أو الشخص الذي قام بهذه المهمة! بعد العشاء طلب من تشيس أن يعيره سيارة ليأخذ روبي في نزهة قمرية فوافق الآخر بترحاب , وبعد نصف ساعة أستأذن تشيس في الذهاب الى المكتب وأنصرفت الآنسة مارشال لتكلم مدبرة المنزل , أحست أليكس بوحشة غريبة فقررت القيام بنزهة قصيرة في الحديقة لحاجتها الى هواء نقي يساعدها على النوم براحة.
بعد قيظ النهار بدا هواء الليل منعشا ورائع البرودة , فعبت منه بعمق وأسترخاء , لم تر شيئا من نور القمر الذي ذكره هنري لكن النجوم فوقها كانت تسطع بألق بديع , أختارت ممرا واسعا تحف به شجيرات لم تميز نوعها في الظلمة وفكرت ألا تبتعد كثيرا لئلا تضيع.
تمشت حوالي عشر دقائق وفيما هي تهم بالعودة وجدت تشيس على مقربة منها , أنزعجت لرؤيته فقالت على الفور:
" كنت عائدة لتوي".
فأبتسم قائلا في تكاسل:
" أحقا؟ لم تخرجي ألا منذ دقائق , كنت سأقترح أن نذهب مع هنري وروبي لكنني خشيت أن نثقل عليهما".
رفعت بصرها اليه لترى تقاسيمه الخشنة بوضوح أكبر , وقالت:
" أنك تنظر الى الموضوع بأستخفاف , أتظن أنه سيغفر لها بسهولة؟".
" لقد وجد هنري أنه ليس هناك ما يستحق الغفران , أنما عتب قليلا على روبي لكتمها بعض الأشياء عنه , لكنك صححتها أنت بمجيئك الى هنا".
" وأنت, ألا يهمك أنك كنت جزءا من الخديعة؟ ماذا ستسمي هذه اللعبة؟ خديعة هنري؟".
" لم هذه الثورة المفاجئة؟ قد تكون روبي عزمت على خداعه لكنها لم تصل حدود تنفيذها , أما أنت فلم تضطري الى الكذب عليه بأي شيء , لقد أخبرته أنك تعملين معها في المكتب نفسه , ولا أحسبه سيسألك صراحة عن الأجازة التي كان من المفروض أن تقضيها روبي معك لأنه سيحجم عن تذكيرها بها , أغلب الظن سيركز أفكاره على قضية شهر العسل".
" أذن , أستطيع العودة الى البيت أذا رجعا من مشوارهما كخطيبين؟".
" ليس الآن , أنك تتعجلين الأمور".
" ليس الآن , أنك تتعجلين الأمور كثيرا".
توقف قليلا ثم أردف متهكما :
" هنري ليس متهورا الى هذا الحد , لذا عليك أن تبقي لأقناع الناس الآخرين ؟, لا تقلقي , سيتم كل شيء بلباقة وسهولة , كذلك سيرغب والدا هنري في التعرف اليك وستقام حفلة أو أثنتان تحضرينهما , هذا كل شيء".
" أذن سيتزوجان؟".
" سأقطع ذراعي أن لم يفعلا , يبدو أن كلينا أعادهما الى رشدهما أنما بطريقتين مختلفتين".
سألته محتدة:
" هل تحصل دائما على مآربك؟".
أجاب بغرور رهيب:
" عندما أستطيع , أود أن أعرف لماذا غيرت رأيك بصدد المجيء الى هنا؟ أعتقد بأن مجيئك يعتبر أيضا مأربا آخر حصلت عليه , ويزعجني أنني لست متأكدا من ذلك".
أشاحت عنه وقالت بأرتباك:
" أنت مصيب تماما فالسبب لا يتعلق بك شخصيا أنما لا يمكنني أن أشرحه لك".
" قد تضطرين الى شرحه في يوم ما".
أوعزت اليها الدبلوماسية بأن تصمت من المستبعد أن يتشاركا أي شيء في المستقبل".
حدق الى وجهها وقال:
" لدي فضول لمعرفته لكنني لن ألح عليك بالكلام أذ يبدو واضحا أنك غير مستعدة للبوح لي بأسرارك".
" قد تكون أسرار الآخرين مخيبة للآمال".
" صحيح , لكن أسرارك تروق لي".
نظر اليها عبر الظلام حين رفع الهواء شعرها الذهبي مظهرا جانب وجهها الرائع وعنقها البديع , قال بصوت أجش:
" أود أن أعرف كل شيء عنك......".
لم تتأكد من قصده ألا أنها شعرت بشيء يتململ في داخلها كأشارة رادار مبكرة تنذر من غزو محتمل , سألته وهي تتصنع البراءة:
" ألا تخشى أن أضجرك؟".
ضحك تشيس فلم تعرف أن كان أخذ سؤالها على محمل الجد , قال:
" أذا أحتفظ كلانا بأسراره لنفسه فذلك لا يجب أن يمنعنا من التعرف الى بعضنا بطريقة أفضل".
حيّرها كلامه فتطلعت اليه قائلة:
" وما جدوى ذلك طالما أنك ستغادر بعد يومين وسأرحل أنا قريبا؟ أعتقد أننا أشبه بسفينين تمران ببعضهما في الظلام".
" حتى لو تعارفنا لساعتين فقط فأفضل أن يتم التعارف على أساس ودي يا أليكس , كذلك الخطط قابلة للتغيير فأنا أروح وأجيء حسبما يحلو لي".
فقالت تتحداه بصوت مهتز:
" هل تترك دائما مخرجا لنفسك لتضمن سلامة اللعبة؟".
أهداها أبتسامة هازئة لا تخلو من الوعيد وأجابها:
" كلا , أنا لا أفعل ذلك , أنها على الأرجح لعبتك أنت".
" ألا تقضي الحكمة بأن تأخذ الفتاة جانب الحذر ؟ أن العواطف قد توجد مشاكل , حسبما رأيت بنفسي".
" أذا عرفنا كيف نتعامل مع العواطف فقد تزودنا بمسرات عديدة ".
فقالت بجرأة مذهلة:
"يخيل ألي , لكونك رجلا , أنك تقرن العواطف دائما بالحس ".
تجاهل أنفعالها وأجاب:
" أنت بحاجة لتعلم الكثير يا أليكس لاثام, لكن بالمقابل لديك معطيات كثيرة , قد تنكرين هذا , ألا أن هذه الحقيقة تطل من عينيك وفمك ومن قوامك الرائع".
تملكها غضب وخوف فتراجعت بعنف وهتفت:
" لا تكن سخيفا ! أنك تصف فتاة لا تشبهني البتة!".
قال بنعومة :
" أحقا؟".
أحست بوجوب الهرب منه فخطت بسرعة وتعثرت , أمتدت يده كما البرق لتسندها , وسرعان ما شدها اليه , همس لها وقلبه يخفق متسارعا:
" أظن الوقت قد حان لتتعلمي بعض الأشياء عن نفسك , أن الأميرات النائمات يحتجن الى من يسندهن وألا سقطن أرضا".
هتفت شاهقة:
" لا أحتاج الى أية دروس منك!".
كان الهواء قد بعثر خصلات شعرها الذهبية على فمها فأزاحها عنه بلطف متوعد وقال:
" في حالات كهذه أميل الى التركيز على ما أريد لكن يخيل الي الآن أنكلينا يريد الشيء ذاته".
مرر أصابعه على جبينها كما الريشة ثم أخفض رأسه , حاولت الهرب فأشتدت ذراعاه , مقاومتها أغضبته وجعلته يندم على تقربه اللطيف , خفق قلبها بجنون من تأثيره عليها .
رفع وجهه قليلا فهمّت بالأنسلاخ عنه لكنه هز رأسه وهمس مبتسما وهو يرقب الدهشة في عينيها:
" ليس الآن".
أرجع رأسها بلطف الى الوراء حتى سقط ضياء النجوم في عينيها الذاعرتين وتألق على جلدها الحريري , تأوهت بوهن فرفع ذقنها ليجعلها تنظر اليه وقال متمهلا:
"لمست فيك شيئا من البراءة لكنني لم أعلم مقدارها , لا أظنك تعرفين لغاية الآن معنى العلاقة الحقيقية".
تملكها الذعر أذ لم تطق فكرة هذا الأعتداء على خصوصيتها , فلأول مرة تواجه رجلا يغوص في أسرارها الدفينة ولا قبل لها بأحتمال هذا الوضع , لقد عانقها شبان من قبل أنما ليس هكذا, أو على الأقل , لم يشعرها أي منهم بهذه المشاعر التي تقضم عروقها وحواسها.
لم تدر كيف تقاومه أنما شعرت بوجوب المقاومة فهمست تتوسله:
" أرجوك , أننا غريبان عن بعضنا! لست مضطرة الى أجابة أسئلة كهذه".
فرد بشيء من الغضب وعيناه تغوصان في عينيها الحائرتين :
" لا يمكن أن نكون غريبين بعد الآن ,هل لك أن تسترخي وتكفي عن القلق؟ أنا لن أؤذيك , قد أضطر الى ذلك يوما أنما ليس الآن".
" كلا.............".
أحنى رأسه ووجد وجهها , قسا مجددا فحاولت دفعه عنها , جرف مقاومتها كفيضان لا سبيل لأنقاذ نفسها منه , ألا أنها أدركت أنها لا تبغي الهرب من تشيس بقدر ما تود الهرب من مشاعرها.
ولما أطلق سراحها كانت تنبض بالحياة ولم تشأن أن تتركه , تنفست عدة مرات لتخفف لهاثها ولتستطيع القول:
" هل أرتحت الآن؟ لقد قصدت أن تخيفني!".
هتف بجدية:
" لم أقصد أبدا أخافتك, هذا هراء! أنا الذي أشعر بخوف وليس أنت!".
بدا كرجل وقع على الرغم منه فريسة شيء كان يظنه سهلا فأذا به يكتشف متأخرا أنه أقوى منه! نظر اليها غير آبه للدموع الملتمعة في عينيها وكأنه يفكر في مشكلاته الجديدة الخاصة.
أما هي فلم تفكر ألا في مشاعرها التي أفاقها وظلت تستشعر حدتها الى درجة أضطرتها الى أنكارها بقولها:
" لا تخطىء الظن بأنني أستمتعت بعناقك الوحشي! هذه تجربة لا أرغب في تكرارها".
أجابها بصوت كالفحيح:
" أيتها الكذابة الصغيرة! في المرة المقبلة سأجعلك تندمين على كلامك , قد تكونين بريئة لكنك لست جاهلة أو ساذجة".
لسعها غروره الذكري فهتف بفم يتقلص غضبا:
" لا يحق لك أن تكلمني هذكذا!".
أجابها بليونة وقد تمالك نفسه :
" لقد حان الوقت لأن يأخذ شخص بيدك ويعرفك الى الجانب الآخر من طبيعتك....... لقد تربيت جيدا وأنصقلت من بعض النواحي , من قبل شخص وضع نصب عينيه هدفا معينا لكنه , وللأسف , أهمل تعريفك الى نواح أخرى".
فكرت فورا في أمها فأجفلت وأرتعشت , لحظ تشيس تغيرها فقال:
" هذا ما حسبته , قد تشعرين غدا بحاجة الى الأفصاء اليّ بمشكلتك وليس الآن , أذ أمضيت يوما مرهقا مشحونا بالأحداث, أنصرفي الآن يا أليكس ولا تنسي أن تلقي تحية المساء على عمتي هاريتت قبل أن تخلدي الى فراشك".

صباح اليوم التالي حمل أخبارا مفاجئة , لم تغمض أليكس عينيها حتى الفجر ثم أستغرقت في نوم طويل , وجدت الآخرين يتناولون طعام الأفطار حين هبطت من غرفتها بعد أن أستحمت بسرعة وأرتدت بنطلون جينز وبلوزة رقيقة.
" آسفة لتأخري".
لم يقل تشيس شيئا ولم تستطع معرفة أفكاره حين نهض واقفا وأزاح لها الكرسي لتجلس , كان يراقبها بنظرة يقظة وكأنه قدر أن يحدس مقدار الوقت الذي أمضته مسهدى تفكر فيه.
أبتسم لها هنري عبر الطاولة وقال:
" يمكنك أن تكوني أول المهنئين يا آنسة لاثام , أليكس , فروبي وافقت على الزواج مني , قال تشيس أنك ستحضرين حفلة الزفاف".
وبرغم حيرتها أستطاعت أليكس أن تظهر بهجتها للخطيبين السعيدين , لقد حدثت الخطوبة بسرعة ويسر , فعلام أذن , كانت كل تلك الجلبة؟ أما بالنسبة الى حضورها الزفاف فلن تفعل ذلك حتما أنما لا يسعها الآن أن تجهر رفضها , سألت روبي المشرقة الوجه أن كانت قد أخبرت عمتها نبأ الخطوبة فأومأت العروس وقالت:
" أخبرناها ليلة أمس بعد رجوعنا وقد أبتهجت كثيرا".
زاد تشيس من حيرتها عندما أزاح كرسيا وجلس الى جانبها بدل أن يعود الى مكانه المعتاد على رأس الطاولة , تجاهل نظرات أخته المستغربة وسكب القهوة لأليكس ثم لنفسه , حدق الى وجهها فتوردت وتساءلت عن لذته في أحراجها , علمت أن هنري قضى الليلة في كولابرا وأنه سيأخذ روبي معه لزيارة والديه وأنها سترافقهما , لقد رتبوا كل شيء من وراء ظهرها! رمقت تشيس بأستياء وتساءلت .... كم من الأمور الأخرى سيقررونها بدون أستشارتها؟ أنها لا تريد الذهاب الى أي مكان عدا العودة الى ملبورن! وأضطرت الى القول محتجة :
" كنت أعتزم التجوال في كولابرا فأنا لم أر منها شيئا لغاية الآن".
أجابها تشيس مؤكدا:
" ستجدين وقتا كافيا لذلك".
ثم أستدار الى هنري وقال بنبرة حازمة:
" أذهب الآن مع روبي وعند العصر سوف آخذ أليكس بنفسي لزيارتكم".
أجفلت روبي وقالت بسرعة:
" لا حاجة لأن تتعب نفسك يا تشيس فبوسع أليكس أن تذهب معنا ".
رد أخوها مبتسما بسخرية:
" لا ريب أن والدي هنري لن ينزعجا من قضائنا الليلة هناك لأنني وأليكس سنعود غدا الى هنا".
ثم قال لأليكس:
" أتركبين الجياد؟".
أومأت بالأيجاب وأردفت بعدما أستردت أنفاسها:
" لكن خبرتي محدودة في هذا المجال".
تساءلت,لماذا تجري الأحداث بهذه السرعة؟ بدأت تشعر كطفلة تطوحها أرجوحة عنيفة وتتوق بعصبية الى توقفها قبل أن يتملكها دوار كامل.... أنها مسرورة لخطوبة روبي وهنري الدمث الطباع, لكن روبي ظلت حتى يوم أمس تتذمر من أضطرارها لرؤية هنري , وها هي الآن مخطوبة اليه وتبدو كأنها ما أرادت من دنياها ألا الزواج منه .... كيف حدث هذا؟ هل يعود الفضل الأكبر الى تشيس العبقري في مجال التنظيم والأدارة؟ أدهشها أن أحدا لم يفكر في معارضته لكنها أقرت بصعوبة هذه المعارضة , فهي نفسها ر تجرؤ على رفض طلبه بالتجوال معه في المزرعة , وقد لا تستطيع الرفض بصفتها موظفة في الشركة , شركته هو لسوء الحظ , مع أنها جاءت هنا بصفتها صديقة لروبي.
أضافت بسرعة وقد أملت أن تثنيه عن عزمه بالتجوال معها:
" لم أمتط حصانا منذ سنوات طويلة".
" لا عليك , ستحصلين على الخبرة الكافية أذ أشرفت بنفسي على تدريبك".
ثم ألتفت الى هنري وأردف بلطف حازم:
" أذن , سنراكما اليوم بعد الظهر".
أعقب كلامه صمت حائر فأمسك بذراع أليكس وخرج بها الى الردهة , وهناك رمق شعرها الأشقر وقال جازما:
" يجب أن تلبسي قبعة كي لا تتأذى بشرتك الجميلة وأنا لا أريد لها ذلك".
همت بأعطائه جوابا لاسعا ألا أن نظرة عينيه أسكتتها فسمعت نفسها تقول بخضوع:
" لدي قبعة في غرفتي".
" عظيم".
كلمة واحدة فقط لكنها حملت من السلطة ما أشعرها بالعجز الكامل أمامها ,وفيما هو يقف منتظرا تحركها قالت بتردد:
" هل هناك ما أستطيع فعله يا تشيس ؟ في المكتب ربما؟ أنك تدفع لي راتبا وطالما وددت العمل في مكتب زراعي , لا يمكنني أضاعة وقتي هباء".
أجابها بنفاذ صبر:
" أذا عملت هنا ستثور الشكوك سريعا".
ثم أبتسم لعينيها القلقتين وأردف:
" أطمئني , فقريبا ستجدين أشياء كثيرة تملأ وقتك , أركضي الآن وأحضري القبعة".
بعد ساعة من الزمن عادا الى المنزل ووجه أليكس يطفح بشرا , لقد أبهجها كل شيء رأته وأثار فيها متعة عارمة صعب عليها كبتها , أخبرها تشيس أن المزرعة تقع على ضفاف نهر جورجينا وقد أطلق عليه هذا الأسم نسبة الى زوجة أحد حكام مقاطعة كوينزلاند , ومعظم كولابرا تمتد الى مرتفعات باركلي وأقرب بلدة اليها هي ماونت آيزا وهي مركز لأستخراج المعادن , وحيث توجد أيضا الكلية الحربية الجوية , فيما بعيدا عنها , تقوم مدينة كلونكاري.
أخبرها تشيس أيضا أن الفجوات التي تخلفها الفيضانات بعد أنحسارها تشكل معلما رئيسيا من معالم تشانال كاونتري أصطحبها الى واحدة منها أحدثت أعمق الأنطباع في نفس أليكس , أذ أتسعت عيناها دهشة أمام هذه البركة المستنقعية الشاسعة المساحة وحيث هربت أسراب عديدة من الطيور لدى أقترابهما فيما بقيت أسراب أخرى بدون أن تلحظ وجودهما , رأت طائر الحارس ذا المنقار المعقوف يخوض الماء الموحل الى جانب بط وبجع وبلشون وأنواع أخرى لا تحصى , وهتفت بأنفعال طاغ:
" يا للروعة! طيور وطيور وألوان في كل مكان كما لو أن فنانا يخبط بريشته كيفما أتفق, لم أر في حياتي مشهدا كهذا !".
تبسم تشيس بأستحسان وقال:
" هذا وصف من جملة أوصاف لكنك عبرت عن مشاعرك بمهارة .
أحست بالحرارة لعدم أعتيادها على ركوب الخيل وقالت وهي تنظر الى الماء بحنين:
" بي رغبة في الأستحمام لكنني لم أجلب معي ثوب سباحة".
قال مداعبا ليجعلها تتورد خجلا:
" وما يمنعك من السباحة بلا ثياب؟ طالما فعلت أنا ذلك وخاصة في صغري , أنها أفضل سباحة على الأطلاق".
الصباح بأكمل كان نوعا من التجلي بالنسبة اليها ومنذ أختار لها أحدالعمال مهرة جميلة مروضة وألبسها سرج.... قد توصف كولابرا بالأنعزال لبعدها عن المزارع الأخرى بنحو مئتي ميل ألا أن الحركة المتواصلة في المباني من شأنها أن تنفي عنها صفة الأنعزال هذه , لقد جال معها تشيس في هذه الأماكن وأستمتعت بالجولة المنظمة الى درجة أنستها عداءها السابق له.
بعيدا عن المنزل الرئيسي كانت السهول تتدحرج على مد البصر وتخترقها الأقنية العديدة التي أستمدت منها هذه المنطقة أسمها.
نظر تشيس الى وجهها المتورد وقال:
" أعتقد أنك رأيت ما فيه الكفاية هذا الصباح , لا يبدو عليك الأرهاق لكنني أريدك أن تحتفظي بنشاطك لتستمتعي ببقية النهار , سوف تتعبين أن أبتعدنا أكثر و كذلك لدي عمل في المكتب".
" نعم يا تشيس".
لم تجد شيئا آخر تقوله , لقد صرف معها وقتا طويلا ولا يجب أن تثقل عليه.
أختلج فمه وقال:
" كم تبدين خاضعة عندما تتكلمين هكذا وكأنك بنت صغيرة معتادة على الأمتثال للأوامر".
" في البيت أتصرف هكذا".
قرب فرسه من فرسها وبلطف سألها:
" أهي أمك؟".
أومأت بصمت وقد عزا محياها عالم التوتر الأخرس , خبت حيويتها بعض الشيء وأعترفت قائلة:
" أنها تسيطر عليّ بشكل ما".
سألها بصوت دافىء ليحظى بثقتها :
" ما هي المشكلة بالتحديد؟".
لحظتها قررت أليكس أن تفضي له بهمها , فهو , كرجل غريب , قد تأتمنه على البوح له بتصرفات والدتها , في أي حال بدا أنه تكهن ببعض الحقيقة وفي الوقت نفسه ستزيح حملا عن صدرها , لا موجب لأن تخبره التفاصيل وبأمكانها أن تروي له القضية بأسلوب مرح لتخدعه , قالت:
" أنها تطمح الى تزويجي من مليونير!".
" ولم لا؟ لديك من الجمال ما يكفي لذلك".
ندمت على أخباره فقالت تتهمه بمرارة:
" أنك تهزأ بي!".
" ليتني كنت أهزأ! أفهم من كلامك أن أمك طموحة يا أليكس ولسوء الحظ لا يوجد عدد كبير من أصحاب الملايين".
" أستعملت تعبير المليونير من باب الدعاية فقط لكن مطلق رجل ثري سيعجب أمي".
" ولن يعجبك أنت؟ يبدو أنك غير متحمسة لفكرة كهذه؟".
قالت وهي تغتصب أبتسامة خفيفة:
" لا تكن سخيفا , لا يمكنني أن أتصور نفسي مع رجل واسع الثراء , سأكتفي برجل عادي الحال شرط أن أحبه".
" فهمت".
لقد حاول تلطيف الجو بأبتسامة ألا أنه بدا عازفا عن التجاوب , تقلص وجهه فجأة وقال بأقتضاب:
" هل تفكر أمك في شخص معين؟".
" هناك واحد أو أثنان....".
" أذن لهذا السبب هربت من سيدني؟".
رأت وجهه يكفهر وعينيه تضيقان بغضب فقالت تراوغه :
" ليس تماما , لقد ذهبت الى ملبورن حين كانت أمي في أنكلترا, ولكي نبتعد لفترة عن بعضنا بعضا".
أمسك بلجام فرسها ليوقفها وسألها بأهتمام واضح:
" ألم تلحق بك أم لغاية الآن؟".
أرغمها على النظر في عينيه وأردف بأصرار:
" أجيبيني يا أليكس , هل لحقتك؟ هل تعلم أين أنت الآن؟".
" تعتقد أنني أعمل في الشمال , لا داعي لأن تغضب , لم أستطع بالطبع أن أشرح لها قصة روبي بالتفصيل ".
" ما زلت أحس نفسي بعيدا عن معرفة الحقيقة".
وللحظة بدا خطيرا وهو يخترقها بنظرته الحادة كالرمح وكأنه صمم على سحب الحقيقة منها بأستعمال العنف , أجتاحها الذعر ففقدت رباطة جأشها , وبدون أن تفكر جذبت اللجام من يده بقوة , الأمر الذي لم يرق لمهرتها العنيدة وحيث رفعت قائمتيها الأماميتين ورفست بحافريها الخلفيين ثم قذفت بأليكس من فوق رأسها كما الكرة , سقطت أليكس على أرض صلبة ورأت نجوما تتراقص أمام بصرها , ومن خلال الضباب أكدت لنفسها أنها سقطت على وجهها ولا يعقل أن تصاب بالأغماء , ثم أستسلمت للضعف الذي أجتاحها وأغمضت عينيها لتهرب من العقاب الأقسى الذي أحسته غريزيا بالأنقضاض على رأسها المصدوع


widad
مديرة الموقع

تاريخ التسجيل : 29/07/2016

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Empty رد: العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر

مُساهمة من طرف widad في السبت أغسطس 06, 2016 5:12 pm

5- عرض مرفوض

أستلقت أليكس بلا حراك ومشهدها يثير الشفقة , هذه ليست أول مرة تقع فيها عن ظهر حصان, لكنها أول مرة تقترف فيها فعلة حمقاء كهذه وتجلب المصيبة لنفسها , أبقت عينيها مغمضتين , ليس فقط لشعورها بالخوف والصدمة بل لتتجنب رؤية الأحتقار على وجه تشيس مارشال , فهو لا يحترم أحدا يعامل فرسا بتلك الخشونة التي أقدمت عليها , وفجأة أحست يقف الى جانبها وسمعته يقول بصوت أجش يدل على خوف وأنفعال:
" أليكس؟".
لمسها بأحتراس ثم قلبها بلطف وأخذت يداه تجسان جسمها المتهدل بمهارة بحثا عن كسر عظمي فيه , غمغم شيئا لم تفهمه أنما بدا مشتتا بشكل غريب.
خجلت من تصرفها الجبان ففتحت عينيها في الأخير , أبتسمت له من باب التطمين وقالت بصوت واهن:
" لم أصب بأي أذى .... أنظر....".
حركت ذراعيها وساقيها لتؤكد له ذلك , وهنا ثار غضبه فهتف وعيناه تقفزان في وجهه الشاحب:
" يا لك من حمقاء غبية! هل فقدت صوابك؟ كان من الجائز أن تقتلي نفسك!".
" لم يحدث ذلك".
ثم توسلته بعينيها وحاولت أن تهدىء روعه بقولها:
" آسفة ....".
" آسفة!".
وفجأة هوى برأسه .... وكأنه لم يستطع التعبير عن أزدرائه باية طريقة أخرى , أذهلتها وحشيته أكثر مما أذهلتها سقطتها , فليلة أمس كان لطيفا بالنسبة الى هذا العنف الذي يبديه الآن , كرهت تصرفاته المؤلمة فتقلصت عضلاتها , أمرها بصوت خشن أن تسترخي وظهرت في عينيه فجأة نظرة أرعبتها وأغرقتها بأمواج متلاحقة ,هذا التعبير لم تره في عيني أي رجل من قبل فطغى ذعرها على العواطف الأخرى التي تشعر بها , شهقت بخوف :
" أطلق سراحي!".
قاومت ذراعيه تردد تشيس قليلا ثم أبتعد عنها متمهلا , توقف قلبها عن خفقانه وقالت وهي تنهض واقفة بأرتخاء:
" آسفة , كانت حماقة مني أن أذعر فرسا كتلك , فعلت ذلك بلا أدراك ".
" ينبغي أن تتعلمي السيطرة على أعصابك عندما تثور , أنت تتصرفين كالأطفال".
ضاقت عيناه فتأكدت أليكس أنه ما يزال يقاوم شعورا عنيفا يتفاعل في نفسه , تفرست في وجهه قلقة فلم تر سوى الغضب وقد زال من عينيه ذلك التعبير الذي أرعبها وتمنت الآن لو تستطيع نسيانه , وسرعان ما خبا غضبه أيضا وتوجه الى حيث كان الفرسان ترعيان بهدوء , رفعها الى ظهر المهرة وقال بجفاف:
"لنعد الى البيت".
بعد الغداء رافقته في طائرته الصغيرة لزيارة مزرعة برت , سألته بعدما صارا في الجو:
" ألن تعيق أشغالك هذه الزيارة؟".
" أعرف كيف أنظم أوقاتي وأشغالي ,أن أندرو بليك مدير جيد , ولولا كفاءته لما أستطاع أدارة الأعمال في غيابي وأنا أغيب كثيرا عن كولابرا".
نظرت الى يديها المتقلصتين وأرختهما على حضنها .... أنه يبدو عازفا عن الحديث لكنه أكثر ودا مما كان عليه قبل ساعة مضت , هل تراه غفر لها حماقتها؟ أتسعت أفكارها فمضت تقول:
" هل بأمكانك التخلي عن معظم مشاغلك الأخرى لتستقر هنا نهائيا؟".
" سأفعل ذلك أن تزوجت".
" ألن يتوجب عليك أولا أن تأخذ موافقتها على العيش معك في هذه المزرعة النائية ؟".
" أتصور أنها سترضى بالعيش معي في أي مكان".
رمقها بنظرة سريعة ثم أختلج فمه وقال:
" وماذا عنك يا أليكس؟ هل تنوين قضاء حياتك في مكتب؟ قد تكون أمك على بعض الخطأ في تصرفاتها ,لكن تفكيرها قد يكون أصوب من تفكيرك".
" أنا أحب العمل ولا موجب لأن يكون مضجرا , أنه يستغرق كل ساعات حياتي ولدي الكثير من أوقات الفراغ".
" ألم تفكري أبدا بزوج وعائلة؟".
تذكرت دون فيشر فأمتعضت من فكرة الزواج وأجابت قائلة:
" لن أفكر في الزواج قبل سنوات طويلة".
" قد أستطيع تغيير رأيك".
كم تروق له مداعبتها! لم تتصوره في أي وقت كزوج لها ولا يعقل أن يكون هذا مقصده ,ألتفتت اليه قائلة:
" أتراك تعدد لي حسنات الزواج من أجل تمضية الوقت؟".
" أذا ساعد ذلك في أقناعك فقد يشكرني شخص ما على صنيعي ".
أذن لم يكن يقصدها بالذات أنما يتحدث بصورة عامة, وبدل أن تشعر بالأرتياح أحست بخيبة حادة آلمتها , ضحكت بخفة لتخفيها وسألته:
" هل كان ما حدث ليلة أمس جزءا من خطة الأقناع؟".
بادلها ضحكتها بضحكة أكثر خشونة وقال:
" لا أظننا نستطيع التخطيط لهذا النوع من المواقف العاطفية التلقائية , لكنك أظهرت تجاوبا كبيرا".
مالت الطائرة قليلا , كانت الشمس قوية والهواء مثقلا بالحرارة وبرائحة السهول الجافة , شعرت بأختناق فقالت وهي تزيح شعرها الكث عن وجهها:
" ألا يمكنك أن تنسى الحادثة؟".
أجابها بغموض حيرها:
" أنا أنسى فقط ما ليس له علاقة بالمستقبل".
" ثق أنني على عكسك".
أرتجفت حين أنجذبت الى كتفيه العريضتين والى رأسه الفخور والمكلل بشعره الأسود , قالت له بشكل دعاء:
" لن أكون هنا في المستقبل فقريبا سأعود الى بيتي".
" لن تذهبي الى أي مكان في المشتقبل القريب وكذلك أنا , أحسبني أفهمتك هذا من قبل".
هزت كتفيها دلالة اللامبالاة , أن بقاءها هنا فكرة رائعة ستكسبها تجربة فريدة لكن أعتزامه البقاء أيضا سينكد عليها سعادتها أذ يصعب عليها الأسترخاء في حضوره المنذر دوما بالخطر , سألته بغموض:
"أن مكثت في كولابرا ماذا ستفعل بشأن صديقتك؟".
" صديقتي؟".
" الممثلة ..... السينمائية , لقد ذكرتها لي روبي".
" آه , دافينا".
" أتقصد دافينا وايلد؟".
" هي بعينها".
لم يعلق على نبرة الدهشة والأعجاب في صوت أليكس وأردف:
" علاقتي بها أنتهت".
" كم .... كم طالت تلك العلاقة؟".
ندمت على سؤالها أذ توقعت منه أن يطلب اليها أقفال الموضوع ولذا فوجئت حين أجاب بهدوء:
" دامت بضعة أشهر وأفترقنا كصديقين"
همت بسؤاله عن الشروط التي طالبت بها دافينا لقاء أنهاء العلاقة , لكنها أخرست لسانها في الوقت المناسب وهي تشعر بذعر من الدافع الشيطاني الذي زين لها ذلك, تصورته ودافينا في مواقف عاطفية حميمة فشعرت بهبة ساخنة ولم تدر السبب , كذلك أحست بلسعة تشبه الغيرة تمزق كيانها فأجفلت منها بحيرة , لكنها قالت له بفتور:
" أغلب الظن أنك منشغل الآن بالبحث عن صديقة غيرها؟".
أستدار اليها متأملا وجنتيها المخضبتين بنظرة براقة وقال:
" يصعب علي التنسك في هذه السن يا أليكس, أنني رجل ولدي حاجة طبيعية الى النساء , لكني أستطيع الأستغناء عنها أحيانا".
تذكرت تلك النظرة الغريبة التي رأتها في عينيه فردت بهزء وبصراحة مماثلة:
" لا أحسبك تتمتع بقوة عظيمة على المقاومة , لماذا لا تتزوج واحدة من اللواتي عرفتهن؟".
" أليكس! أنا لا أمتلك حريما! أذا صممت يوما على الزواج فلن يهمني سواء عرفتها قبل الزواج أم بعده".
" لكنك لن ترضى بفتاة عرفت رجلا قبلك؟".
أنفجر فجأة فهتف بوحشية :
" أوه , يا ألهي.... كلا لن أرضى بفتاة من هذا النوع! والآن أياك أن تشرعي في غناء تلك المعزوفة المهترئة والقائلة بأن ما ينطبق على الرجل ينطبق أيضا على المرأة! لقد سمعتها مرارا من قبل ولا أرغب الآن في سماعها".
تنفست من عمق صدرها المنجرح وقالت:
" حسنا , لكنني أحسب أن رجلا مثلك يعتقد أنه يحق له أختيار الأفضل بسبب ثرائه العريض؟".
" أيتها العفريتة ال...............".
توقف فجأة ثم ضحك عاليا , مرر يده على مؤخرة عنقه وأردف قائلا:
" أليكس؟ أرجوك! ألا تظنين أن هذا الحديث قد بدأ يثير أعصابنا ؟ أننا ذاهبان للأحتفال بحدث سعيد , وليس من اللائق أن نصل ونحن نبدو كما لو كنا عائدين من جنازة أو من معركة".
لاحت لهما مزرعة برت فتنفست الصعداء , كانت تجلس شاحبة الوجه مكسورة الخاطر فيما مشاعرها الداخلية تصطلي بنار الخيبة , لقد خذلها القدر أكثر مما خذلها تشيس وكم هو مخيف أن تشعر بأنجذاب الى رجل يضجر من رفقتها ولا يشعر نحوها بأي ميل!
وجدا هنري برت في أستقبالهما وسرعان ما أوصلهما بسيارته الى المنزل الرئيسي , لم يكن في مستوى فخامة المنزل الرئيسي في كولابرا ألا أنه كان مريحا للغاية , وقررت أليكس أن روبي فتاة محظوظة وستلقى فيه ما تنشد من رعاية وأهتمام.
أتضح لها في ما بعد , أن والدي هنري سوف يعودان للسكن في مزرعة العائلة الأساسية بعد زواج أبنهما , كانت أصغر من هذه وتقع في مقاطعة نيو ساوث ويلز , لقد أجّلا موعد أنتقالهما في أنتظار أن يحدد هنري وروبي موعد الزفاف , وحين تناهى اليهما أن روبي كانت ستذهب في أجازتها مع رجل آخر تملكهما ذعر شديد أنما لدى أتضاح الحقيقة صار بأمكانهما أن يضحكا ساخرين من تلك المفارقة الطريفة , كان بالفعل أمرا مسليا أن تنحسر شخصية أليكس عن فتاة في منتهى الجاذبية والجمال ! ووجود أليكس هنا من شأنه أن يزيل أية مخاوف ما تزال عالقة في نفسيهما , وقد أزداد أطمئنانهما لما علما أنها صديقة لعائلة مارشال في ملبورن , كذلك أخبرها تشيس الذي لم يفارقها أنها ستكون واحدة من وصيفات روبي والعرس سيكون رائعا تنطبع ذكراه في الأذهان.
كان العشاء مرحا للغاية , تناولوا الطعام باكرا وبعد ذلك أكتظت قاعة الأستقبال بالجيران الذين توافدوا لتهنئة الخطيبين السعيدين , لم تكن بالطبع حفلة الخطوبة الرسمية , فتلك ستقام في كولابرا في ما بعد , حسبما شرح لها تشيس , وسوف يستغرق الأعداد لها بضعة أيام لأن الناس في هذه المنطقة النائية يصرون على أعطاء الأحتفالات حقها من الأبهة والكرم والجمال , سعادة روبي الحالية , بعد كل تذمراتها السابقة في ملبورن , أستمرت تدهش أليكس وتحيرها , فروبي تبدو الآن كقطة ناعمة قريرة ومتخمة الأحشاء بعد حصولها على فريستها, ولا يبدو عليها أي تعبير يشير الى رغبتها في الأبتعاد بوصة واحدة عن حبيبها هنري , وسرعان ما تلقت أليكس مفاجئة أخرى لا علاقة لها بروبي , ففيما هي تجول بصرها في أرجاء القاعة بغتت لمرأى أمرأة جميلة تعبر الباب وكانت هذه الحورية الساحرة تنظر مباشرة الى تشيس , لحظت أليكس الأستغراب الذي غزا وجهه لكن عندما ألتفت صوبها بسرعة لم تدعه يرى في عينيها سوى الخواء والجمود , تلكأت نظرته برهة على محياها فسرّت لكونها أستطاعت التظاهر بعدم الأكتراث ثم أستدار ناظرا الى الزائرة الجديدة , قدمت المرأة تهانيها لهنري وروبي قبل أن تطير الى حيث يقف تشيس , وفات أليكس سماع أسمها بوضوح , لكنها سمعتها تخاطب تشيس بحرارة:
"مرحبا يا حبيبي! ألست مسرورا لرؤيتي ؟".
ثم طرحت يديها على كتفيه وقبلته بدفء وتمهل , لف ذراعه حول خصرها , بأسترخاء وبادلها تحيتها معطيا الأنطباع بأنه مستمتع أشد الأستمتاع بلقياها.
وهتفت المرأة بعذوبة :
" أوه تشيس , لقد أشتقت اليك جدا والى حد دفعني الى قبول دعوة ماري للمجيء هنا , لقد فشلت المسرحية في نيويورك ,ولن يبدأ تصوير فيلمي الجديد قبل ثلاثة أسابيع".
أحست أليكس ببرد فجائي , لا بد أنها صديقة لتيش أو بالأحرى صديقته السابقة كما قال . لكن هذه المرأة تملك من الفتنة ما يكفي لأثارة أهتمامه من جديد , كانت تتعلق بذراعه بطريقة مغرية ساحرة وتتطلع اليه بأشراق ولهفة , أشاحت أليكس عنهما بحيرة , بعد قليل رأتهما يتهامسان , بعد منتصف الليل بقليل خرج تشيس ليشيّع دافينا فأنسلت أليكس الى غرفتها وعند الباب ألتقت بروبي , توقفت الفتاة وقالت وهي ترمق بحدة وجه أليكس الشاحب:
" الأن أدركت لماذا لم يكن تشيس مستعجلا في العودة الى المدينة , ما رأيك في دافينا؟".
شعرت أليكس أن روبي تقذفها بحجر فتجاهلت سؤالها وقالت لتفحمها:
" لا بد أنه أندهش لرؤيتها".
" لا أجد داعيا لدهشته لأن كل الأذاعات بثت خبر مجيئها الى أوستراليا , أنا أكيدة أن هذا السبب الذي جعله يبقى في كولابرا".
تملكها الأرتجاف عندما دخلت غرفتها وكرهت تشيس مارشال من جديد لأستطاعته التأثير عليها بهذا الشكل , أن المشاعر التي أثارها فيها لغاية الآن لم تجب لها الراحة بيد أن هذا الشعور بالوحشة صغى على كل أنزعاجاتها السابقة وجعلها أشد تصميما على الهرب بأسرع ما يمكن.
في اليوم التالي عادت مع تشيس الى كولابرا حيث كانت الأستعدادات لحفلة الخطوبة الرسمية قائمة على قدم وساق , وجدت الآنسة مارشال تسيّر الأمور بمهارة أنما بدا واضحا أحتياجها الى مساعدة أضافية , وهكذا لما طلبت الآنسة مارشال مساعدتها بطريقة توسلية تقريبا , لبت طلبها بلهفة فورية , فخير لها أن تفعل مطلق شيء من أن تقضي الوقت جالسة تفكر في تشيس وفي وسامته القاتلة ! ألقت نفسها في خضم العمل بلا هوادة كي تتخلص من ذلك القلق الغريب الذي فتك بأعصابها , وقررت بمرارة أن تدع تشيس يحدس مقدار نجاحه في أثارة عواطفها الكامنة أن كان يتقصد أثارتها لغاية في نفسه , قبل بضع ليال من موعد الحفلة لحق بها تشيس الى حيث كانت تجلس عند حوض السباحة وسألها:
" عساك لا ترهقين نفسك بكثرة العمل؟".
كانت بركة السباحة جميلة ككل شيء جميل داخل المنزل وخارجه لكنه رمقها بوجوم وتابع مخاطبا أليكس:
" أليس من الحكمة ألا تسبحي بمفردك وأنت متعبة؟".
لم توافقه رأيه , فهي خرجت لتوها من الماء وتشعر بأنتعاش كبير , نظرت الى البركة الساكنة وتمنت لو يسكن قلبها مثلها لدى أقترابه منها , غطست يدها فيها وتسارع خفقان قلبها حين وقع بصره على أصابعها المهترئة , برقت عيناه بأنتصار فأدركت أنه عرف جيدا ما تحاول أخفاءه.
تناولت برنس الحمام بسرعة ولم تأبه للسخرية التي أمتزجت بنظرته المركزة وهي ترتديه وتحكم رباطه حول خصرها , ثم عادت تستلقي على المقعد المستطيل الوثير بكل ما أوتيت من ثقة وكبرياء وأجابته قائلة:
"لا ريب أن جميعنا متعبون قليلا , بأستثنائك أنت".
كان الهواء دافئا وهي تحب هذا الوقت من الليل , فترة ما بعد العشاء , حين ترحل حرارة النهار مع نور الشمس وتظهر النجوم لترسل ضياء كافيا يخفف حلكة الظلام , هذه المرة الثانية التي سبحت فيها ليلا فيما سائر الأمسيات كانت تقضيها في غرفة الأستقبال مع الآنسة مارشال وعدد من العاملين الذين يتناولون معهم طعام العشاء , هذا المساء تفرق الجميع لسبب أو لآخر وآوت العمة هارييت الى فراشها باكرا , أجابت سؤال تشيس بقولها:
" ربما كان من الحمق أن أسبح بمفردي لكنني ما أزال سليمة كما ترى".
" كان من المحتمل أن تؤذي نفسك فأنت تبدين قابلة للعطب , هل تأكلين جيدا".
" بالطبع , أنا نحيلة بطبيعتي".
تساقط بعض الماء من شعرها على خدها فنفضته بيدها ثم أخذت تبحث عن شيء تجففه به , وجدت منديلا في جيب البرنس فسألها:
" ألم تحضري بمنشفة؟".
" أنني أعصر شعري عادة وأتركه يجف من تلقاء نفسه".
" أذن أفعلي ذلك وأعتبريني غير موجود".
كيف لا تعتبره موجودا ومجرد قربه ألهب قلبها بالخفقان ؟ صبرت حتى أنتظمت أنفاسها ثم قالت:
" لم أعصر شعري لأنني كنت أعتزم السباحة مجددا!".
قال بحبور وأسترخاء:
" عظيم , سأسبح معك وأحميك من الضرر فلا تحرمي نفسك هذه المتعة".
أستدار ثم أختفى في أحدى حجرات تغيير الملابس تاركا أياها في حيرة وتردد , أنها بركته ومن حقه أن يسبح فيها ساعة يشاء لكنا لا تشعر بأية رغبة في أن تشاركه حميمية السباحة في ضوء القمر وتفضل قضاء الوقت المتبقي لهما معا على أساس جدي عملي".
خطرت لها فكرة مفاجئة ,نزعت عنها برنس الحمام وغطست في البركة , سبحت بصمت كسمكة نحيلة الى الطرف الآخر وخرجت من الماء حيث توجد شجرة وارقة تطرح ظلالا واقية , ستنتظر هنا لبينما ينزل تشيس الى الماء ثم تغادر الحوض فورا , وهكذا لن يفطن أبدا الى خشيتها من الأنفراد به , أنه حتما شعور عصبي ولم يفارقها منذ أن سقطت عن الفرس , حرك نسيم الليل أغصان الشجرة فأرتفع الحفيف وسط الصمت كما لو أنه يسخر منها , ثم غرد عصفور فوق رأسها فأجفلت قليلا وكان رد فعلها تلقائيا أذ نفضت شعرها الفضي المتوهج كما تفعل عادة في اللحظات الحرجة وهكذا فضحت مكان وجودها ,وقبل أن تتمكن من التنفس وجدته قربها! لقد تسلل من خلف حجرات تغيير الملابس ووصل مكانها بينما كانت هي ترقب جهة البركة الأخرى.
مست قدماه قعر الحوض فأتسعت عيناها ذعرا وأرتجفت بالرغم من دفء الليل .
أبتسم لها قائلا:
" شعرك لا يخطئه البصر أذ يطفو كصفيحة من الفضة , لا يمكنك أبدا أن تهربي في الظلام ولديك شعر مميز كهذا".
بدا غير منتبه لأرتعادها وعاد يبتسم قائلا:
" تعالي , ماذا تنتظرين يا حوريتي الصغيرة , أنك سباحة ماهرة فهيا نتسابق".
تحداها بطريقة مسلية كسولة وجدت منها قبولا سريعا , شعرت أنها أكثر أمانا عن ذي قبل , فأومأت برأسها ثم أخذت تضرب الماء بأطرافها في أتجاه الطرف الآخر , سوف يتغلب عليها بسهولة لكنها ستنتظر حين يمر بها ومن ثم تخرج مسرعة من الحوض , ألا أنها تسرعت لسوءالحظ فحين مر بها وسبقها قليلا أستدارت تسبح في الأتجاه المعاكس لكنه سرعان ما عاد بدوره وحاصرها , سألها وعيناه تومضان في العتمة كشعرها الفضي:
" أين تظنين نفسك ذاهبة؟".
كانت أنفاسها تتلاحق فأجابت بخفة علها تقنعه بأنها لا تريد الأستمرار:
" سأخرج من الحوض ".
فعلق ضاحكا:
" ألأنك خسرت السباق؟ تعلمين أن الفوز المستمر مستحيل ".
قالت وهي تحاول البحث عن أفضل طريقة لأقناعه :
" ليس هذا السبب , لكنني سبحت بما فيه الكفاية وحسبتك لن تمانع أن عدت قبلك الى البيت".
" أجل , أمانع".
أمتدت يداه لتطوقاها وأردف:
" لا مانع في أنهاء السباق أنما في حرماني من رفقتك , كيف لنا أن نتعرف الى بعضنا البعض جيدا ما دمت تهربين مني كلما أقتربت منك؟".
" أنا لا أهرب منك".
" اجل , تفعلين".
لقد تغير صوته , وبدا منشغل الخواطر وهو يعبث بشعرها وكأنه غير شاعر بما يفعل".
قال بشيء من الوعيد:
" يجب أن أضمن عدم ميلك الى الهرب في المستقبل".
لمست الوعيد الخفيف في صوته فتقلصت عضلاتها لأحساسها بأنه قد تخطى الدعابة الى الجدية , بدا كرجل يضع نصب عينيه هدفا مهما لا تفهم دوافعه اليه , هكذا هو , حين يتوق الى شيء معين لا يتوانى عن تحطيم أية عقبة تمنعه منه , قالت لاهثة:
" لا بد أنك تمزح".
" لا مزاح في ما يتعلق بك , أنتهى وقت الدعابة".
حدقت الى خطوط وجهه القاتمة بعصبية حائرة ولم تفطن لتحرك يديه ألا عندما جذبها اليه بسرعة البرق , شهقت ذعرة:
" تشيس!".
لكن أحتجاجها أطلق تأوها مختنقا ورفعها بين ذراعيه , حملها من الحوض الى المقعد الصيفي حيث ألقاها وغمغم بدون أن يفلتها:
" ما أجملك".
عانقها فغاصت حواسها وهي تحاول التملص منه .
قال بصوت خفيض:
" أريد أن أتزوجك".
سمعت عبارته وأحست كل مقطع منها يسقط عليها كما الصدمة وتابع بالهمس أياه:
" أريد أن أهدي كولابرا فتاة مثلك , فتاة عذراء كي تنجب لي حاجتي من الأولاد".
قلّصها خوف لا يوصف فرددت بغباء:
" تتزوجني ؟ من أجل كولابرا؟".
" هذا ما قلته".
لم يلحظ عينيها المتسعتين بأنجفال , وأدار فمه ليلثم باطن ذراعها التي سحبتها بسرعة , كانت حركته بطيئة , كسولة تقريبا كما لو أنه ربح أكثر من نصف المعركة وأعتبر أحتجاجها ملغيا , أستشعرت أفكاره فثلجت أطرافها , قالت بفتور:
" كلا يا تشيس , لا أظنك تقصد ما تقول , وحتى لو كنت تريد ذلك فعلا فلا أستطيع الزواج منك".
رفع رأسه وحدق اليها , وقال مداعبا:
" أنت حارة ولم تعي ما قلته يا أليكس , أنا لم أعرض الزواج على أية فتاة من قبل ومن المفروض أن يفرحك عرضي , تزوجيني وتحصلي على أي شيء تطلبين , كذلك تحصل امك على هر مليونير".
" لا تكن سخيفا!".
حاولت أن تدفعه عنها وقالت بحزم:
" كلا يا تشيس , أن كنت جادا في رغبتك الزواج مني فأنا مضطرة الى الرفض".
حدق بتركيز الى وجهها المتورد والمصمم في آن ,وقال ساخرا:
" يا صغيرتي الغالية , هل تدركين قيمة العرض الذي ترفضين؟".
" أنت تهينني!".
قاومت بعنف شديد أضطره الى أفلاتها , شتت الخجل تفكيرها وأرجف أصابعها أثناء أرتداء البرنس , لم يقدم لها تشيس أية مساعدة بل جلس يراقبها ساكنا حتى أوشكت أن تصرخ قهرا منه , ورددت لتنفس عن حنقها:
" أنت تهينني!".
فأنقلب صبره غضبا أبرق عينيه في الظلام وهتف:
" سمعتك في المرة الأولى , أن أية أمرأة أخرى لا يمكن أن ترفض عرضي , يا ألهي!
أنا طلبت اليك الزواج يا أليكس ولم أطلب شيئا آخر , على الأقل ليس قبل أتمام الزفاف , كذلك لم أحاول معك مع أنني أراهن أنك سوف تستجيبين بحرارة بعد التجربة الأولى , ليس هناك مطلق شخص يمكنه أن ينكر الأمتياز الذي خصصتك به , لقد قدمت لك عرضا نادرا قد لا تتلقينه مني ثانية".
هتفت بغضب مماثل:
" تريد الزواج مني لكنك لا تحبني , أنك تريدني فقط لأسباب تناسلية هذا أمر.... مقرف!".
أجابها مبتسما بمرارة:
" الحب! أن كنت تنتظرين الحب فقد لا تتزوجين أبدا , لكن دعيني أسألك , هل أنت تحبينني؟".
" كلا , أنما لم أكن أنا الذي عرض الزواج!".
رد بوقاحة :
" فهمت , لنضع الحب جانبا , أذن ما الذي يقلقك , أمك؟".
" كلا , أنها سترحب بك أشد الترحيب بل ستصفني بالغباء لرفضي أياك , لكنها ليست هنا لترغمني على قبولك , هذه المرة لن أضطر الى الهرب وحيث يمكنني تقرير الأمر بنفسي".
قفزت واقفة على قدميها فمد يده بحركة آلية ليساعدها , أسترخت نظرته المركزة , وقال وشبح أبتسامة تلوح على شفتيه:
" سوف أنتظر ,لكنني سأكرر المحاولة حتى أثنيك عن عزمك , ستكتشفين قريبا مبلغ عنادي وتصميمي , أننا قد نتزوج قبل روبي".
" كلا يا تشيس!".
أرتجفت وتكورت داخل البرنس فظن البرد سبب أرتعاشها , أسدلت أهدابها وتابعت قائلة:
" لا أريدك أن تضيع وقتك من أجلي , لا أبغي الزواج مطلقا , لقد سئم حلقي ترديد هذه العبارة وسئمت نفسي ألحاح أمي المتكرر".
" أنت مجنونة يا فتاة! أنا لست مجرد رجل عادي".
همست بأنفعال :
" لست مجنونة بمقدار ما أنت مغرور! أسمع , لقد أرهقتني أمي لشدة ما حاولت أكراهي على الزواج ولا أريدك الآن أن تكرر المسرحية , حياتي تخصني وأنا التي أقرر مسارها , هل لك أن تصدق ذلك؟".
" أصدق تصديقك لذلك , لكنني لست مقتنعا بقولك , من اليوم فصاعدا أعتبري نفسم ملاحقة , وهذا ما ينبغي أن تصدقيه! أن لصبري حدودا وقد ألجأ الى الحيل لكنني لن أتخلى عن شهامتي ولذا أنا أنذرك مسبقا بما سأفعل".
تضاءلت أليكس في الظلام وشحب محياها وقد أحست فجأة بأرهاقهيب غزا روحها بصورة خاصة , كيف لها أن تحاربه أن كان يعني ما يقول ؟ تريد أن تكون حرة بلا قيود , وأن تقطع بسهولة أية خيوط خفية تربطها الى هذا الرجل , لكنها بين ذراعيه , تشعر أنها سجينة , متورطة وحاطة بخطر عواطفها وعواطفه معا , قبل دقائق معدودة كانت تحترق مدفوعة بقوى غريبة تعجز عن التحكم بها وعن أدراكها , أن مجرد قربها منه يخلي بميزان حياتها وبالتالي سيكون زواجهما ضربا من المستحيل! قالت بهدوء وبنبرة قاطعة:
" أبغي العودة الى غرفتي".
رفع رأسه بحدة ثم جمد بلا حراك , لكنها جمدت بدورها بفعل صوته النافذ القوي:
" أليكس! من الأفضل أن تعطي نفسك فرصة للتفكير , خذي حسنات هذا الزواج بعين الأعتبار , سيكون لك كل ما تشتهين من غال وثمين وبالمقابل لن أطلب سوى مساعدتك في تكريم ضيوفنا , أنا رجل دائم الأنشغال وسأكون بحاجة ماسة الى مضيفة لكون روبي ستتزوج ولكون عمتي تقدمت في السن , كذلك سأطلب منك أولادا وأنت أول أمرأة أطلب منها ذلك".
أولاد لتشيس مارشال ؟ جف حلقها وتقلصت معدتها كالكماشة ,نظرت اليه ملتهبة الوجنتين وقالت:
" لم لا تسأل الآنسة وايلد؟ أنا أكيدة أنها ستتحفك بأطفال رائعين ".
أجابها برأس عنيد شامخ:
" أنا أعرض الزواج عليك لا على الآنسة وايلد , أوصيك بأن تتذكري هذا".
" جوابي لن يتغير".
هربت منه تركض على العشب الندي ودخلت البيت , خيل اليها أنها تسمع وقع قدميه خلفها ثم أدركت أن قلبها هو الذي يتخبط خافقا بين ضلوعها.
في الصباح التالي أثناء تناول الأفطار , علمت أن تشيس سيذهب الى ماونت آيزا , خف التوتر الذي قلصها طوال الليل حين تصورت يوما كاملا بدون وجوده , لكن أرتياحها لم يدم طويلا بل تحول الى يأس حين أبرزت العمة هارييت قائمة مشتريات ورجت أليكس أن تذهب معه لأبتياعها , قالت أن معظمها حاجيات أضافية لحفلة الخطوبة , وستكون شاكرة لها جدا أن قامت بهذه المهمة.
بعد ذلك خرجت الآنسة مارشال بسرعة لتتشاور مع مدبرة المنزل فرفع تشيس رأسه عن رسالة شخصية وردت في بريد الصباح ,وسألها:
" لا أخالك تفكرين في رفض طلبها؟".
أحست كفأر فأجابت محتدة:
" لا أدري بأية طريقة أستطيع الرفض".
أثناء تناول الفطور تصرف تشيس كعادته دائما بيد أنها لم تطمئن كليا الى هدوئه الظاهري , راح الآن يتفحص وجهها ولا سيما الظلال السوداء تحت عينيها , وفكرت أليكس في نفسها , أنها تفضح سهدي , وغروره سيزين له أنني أرقت بسببه , سمعته يقول بلطف:
" هناك حوانيت راقية في ماونت آيزا , بوسعك أن تبتاعي ثوبا للحفلة ".
أجابت مشيحة عنه:
" لدي ثوب يليق بالمناسبة".
" دعيني أبتاع لك ثوبا آخر , سأختاره معك أن شئت".
" وماذا سيقول الناس عنا؟ كلا! شكرا".
" لكنك ستأتين معي؟".
" وهل لدي خيار آخر؟".
" ليس هناك من يضاهيك في أظهار الحماسة! هل أنا سبب وجومك؟".
" كنا نتحدث عن رحلة الى المدينة".
" أحقا؟".
حدقا الى بعضهما البعض كخصمين لدودين والى أن خفضت أليكس بصرها أمام سلطته غير القابلة لأية مناقشة , نهض واقفا برشاقة وقال بتكاسل:
" لا موجب لقلقك فالرحلة ورفقتي قد تسرانك أكثر مما تظنين , كوني جاهزة في نصف ساعة".

widad
مديرة الموقع

تاريخ التسجيل : 29/07/2016

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Empty رد: العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر

مُساهمة من طرف widad في السبت أغسطس 06, 2016 5:15 pm

6- عروس بالأكراه

تعتبر ماونت آيزا , الواقعة على ضفاف نهر لايكهارت , واحدة من أهم المدن الصناعية والتجارية والأدارية في الشمال الغربي لمقاطعة كوينزلاند , فهي تشتهر بمناجم النحاس والرصاص وتؤمن مستويات معيشية عالية وعصرية للعاملين في مناجمها ولعائلاتهم بالأضافة الى مجموعة واسعة من أماكن الترفيه والرياضة – ملعل للغولف- ساحالت لكرة المضرب , ناد للبولينغ ومسابح للتزلج المائي وغيرها , كذلك فيها مدارس وكلة مهنية وحوانيت ملأى بأجمل البضائع والسلع , هذا ما أخبرها أياه تشيس وأضاف أن ماونت آيزا تجذب اليها السياح بكثرة لأنهم يرون فيها صورة لأوستراليا الحثيثية , وفي كل شتاء تقام مباراة لرعلة البقر تستمر يومين ويتوافد اليها المشتركون من كل أنحاء المقاطعة , هبطت بهما الطائرة ثم توقفت على المدرج , رمقها تشيس بفتور وقال بفم مختلج :
" سأصطحبك لأريك المباراة المقبلة ,سيكون من حقك , كزوجة أن تحضريها معي".
أشاحت وجهها عنه وعلقت بحدة:
" متى ؟ في أحدى المناسبات النادرة التي ستقضيها في البيت؟".
" هل يعني هذا أنك قررت الزواج مني؟".
" كلا , لا يعني ذلك!".
لقد أهتز صوتها قليلا لكنها أحست أنها أوضحت مرماها أما هو فلم تهتز ثقته قيد شعرة وقال مبتسما بسخرية كما لو أنه يشبهها بذبابة تحاول الأفلات من شرك:
" أن كان هذا ما يقلقك فأنا أعتزم ألتزام البيت معظم اوقت".
تضرجت وجنتاها وقالت بجرأة لم تعهدها في نفسها:
" قلت أنك تبغي أنجب أطفال , أعتقد أن ذلك سيستغرق وقتا طويلا".
" أتعتقدين ذلك حقا؟".
ندمت فورا على كلامها , لماذا تتيح له أن يجرحها بهذه السهولة وأن يحملها على التحدث برعونة؟ رمقته بنظرة سريعة من عينيها الشديدتي الزرقة وسألته بأيجاز:
" متى سنعود؟".
" بعد طعام الغداء , لا أحسبك ستمانعين في تناوله معي؟".
أومأت برأسها متجاهلة نبرته الساخرة وأصغت بأنتباه الى تعليماته المفصلة حول المكان الذي سيلتقيها فيه وهي تتعمد أظهار اللامبالاة ,وفي وقت لاحق من ذلك الصباح وفيما هي تنعطف الى زاوية شارع رأته يتحدث مع دافينا وايلد , كانت تضع يدها على ذراعه وتبتسم له وهو يحدق اليها أيضا ويبادلها الأبتسام , توقفت أليكس بحيرة عندما رأته يمد يده ويلمس خد النجمة السينمائية , أستدارت غاضبة تسلك أتجاها معاكسا وهي تشعر بالغثيان , ليس لأنه ألتقى دافينا بل بسبب تصرفه المقيت والمنافي للشهامة الأخلاق , فكيف يستطيع أن يطلبها للزواج وأن يغازل أمرأة أخرى بهذه الوقاحة؟ أن هذا يثبت أنه لا يكن لها أية مشاعر عميقة على الأطلاق!
ألتقته في الفندق في الموعد المحدد وفيما هما يتناولان غداء فاخرا سألها أن كانت أستمتعت بجولتها في السوق فأجابت وهي تواجه نظرته الحادة المتوهجة:
" أجل , أنت أيضا أستمتعت بوقتك حسبما رأيت".
" ماذا تقصدين؟".
" لقد شاهدتك مع الآنسة وايلد".
لم تعتزم أخباره ذلك لكن لسانها سبق عقلها , فمن حق تشيس أن يكلم من يشاء من الناس.
سألها بمرح كسول:
" هل غرت منها؟".
" لا , لماذا أغار؟".
غطى يدها بيده فجأة فسرت في ذراعها مشاعر وخزتها كالأبر وجعلت جانب فمها يختلج بعصبية , جذبت يدها بسرعة من تحت كفه وألتمعت عيناها ذعرا حين قرأت في نظرته أستنتاجا للحقيقة , قال بهدوء:
" الغيرة عاطفة جد طبيعية يا أليكس وهي جزء من طبيعة كل فرد".
ثم أردف بتهكم :
" ليلة أمس عرضت عليك الزواج فرفضت طلبي , اليوم رأيتني مع أمرأة أخرى فلم يرق لك الأمر".
" لم أقل ذلك ".
" لكنه أزعجك , بل نظرت اليه بعين الأحتقار".
" لم أقل ذلك أيضا".
" عندما نتزوج.............".
أحست فجأة أن ألحاحه يخنقها ويخيفها...... يا الله ! كيف وأين ستجد القدرة الكافية على مقاومته؟ همست تفح بحنق:
" لم أوافق على الزواج منك , أخفض صوتك من فضلك!".
زال الصبر من عينيه وقال بفم متقلص:
" لن ألقي سلاحي يا أليكس , أفهمتك ليلة أمس أنني أحصل على رغباتي بكل الوسائل الممكنة , حتى لو أضطررت الى أستعمال القوة".
هتفت بنبرة متحدية :
" لا أخالك تقصد أختطافي؟".
" لن أفعل ذلك ألا أذا فشلت في وسائلي الأخرى ".
بدا متلذذا برجفة الخوف التي أعترتها وعجزت عن أخفائها....
حفلة خطوبة روبي لقيت نجاحا باهرا , أستمتعت بها أليكس غير أنها تنفست الصعداء بعد أنتهائها , فهي تحب كولابرا في فترات الهدوء ,وبعض الضيوف مكثوا فيها أسبوعا بعد الحفلة , حيث أدركت ما قصده تشيس حول أكرام الضيوف , أجل , كولابرا مثالية لأقامة الحفلات فقاعاتها كبيرة وغرف نومها واسعة وبعضها يشكل أجنحة كاملة , وفي الخارج توجد الميادين لأمتطاء الخيول وحوض السباحة وملعب كرة المضرب والشرف الشاسعة المطلة على الحدائق الغناء , فيما من الناحية الواقعية , يتعرف الزوار الى دقة العمل والمهارة اللتين تتطلبهما أدارة الأملاك العريضة , فكرت في والدها بأسى , أنها واثقة أنه سيحب كولابرا مثلما أحبتها هي لأن معظم أبحاثه تتركز على الزراعة.
في خلال الحفلة والأيام التي تلتها أستمر تشيس يحيطها بعنايته وأهتمامه أنما ليس الى حد يثير اللغط والتساؤلات , فلقد رقص مع دافينا وغيرها من السيدات المتألقات أكثر مما رقص معها مما جعلها تأمل أن يكون غير رأيه في الزواج منها , أن تحفظه الجديد المستمر أوجد لديها أطمئنانا كبيرا جعلها توافق على البقاء لتساعد في الأعداد لحفلة الزفاف التي ستقام أيضا في كولابرا , ستكون الأشغال كثيرة ولا شك أن مساعدتها مطلوبة , لا سيما أن الآنسة مارشال أكدت لها أنها تتمتع بكفاءة عملية كبيرة بالنسبة الى سنوات عمرها التسع عشرة , أنما بالرغم من كل هذا أدركت أن البقاء مفروض عليها لكونها سجينة ذلك الرجل المسيطر.
أما روبي السابحة في الحب والأحلام فكانت توقف معظم وقتها على تحضير جهازها مما لا يتيح لها مجالا للأهتمام بالمتطلبات الواقعية والمساعدة فيها , وكل ما أستطاعت فعله هو التحدث عن زفافها بلا هوادة , تشيس من ناحيته كان يغيب من البيت لفترات طويلة لأنشغاله في المكتب أو في المزرعة , وذات يوم علقت روبي على تصرفه بقولها:
" منذ سنوات وسنوات لم يمكث هذا الوقت الطويل في كولابرا , كان يعتزم البقاء لبضعة أيام فقط , جميعنا مندهشون من تصرفه".
كانت أليكس تصلح قطعة ثياب بدون أن ترفع بصرها عنها :
" وكيف يغادر كولابرا وزفافك على الأبواب؟".
" لست واثقة من هذا الدافع".
أعترى نظرتها أرتياب واضح وأردفت:
" دافينا ما تزال هنا وتبدو مهتمة به كالسابق , أهذا هو السبب؟ هل قال لك شيئا عن دافينا؟".
" كلا".
أكتفت أليكس بهذا الجواب المقتضب وأحنت رأسها على شغل يديه , تساءلت , ماذا ستقول روبي لو درت بأن تشيس طلب الزواج منها؟ لن تصدق بالطبع , كما لم يصدق أخوها , وجود مطلق فتاة عاقلة ترفض عرضا نادرا كهذا! بعد رحيل الضيوف الآخرين قررت دافينا البقاء بضعة أيام أخرى وبدون أن تساهم في أي عمل سوى عرض جمالها الفاتن.
كانت تستيقظ مع الظهر ثم تقضي معظم الوقت عند حوض السباحة, وتعود في الأمسيات لتزاول عرض جسمها على العشاء وحيث ترتدي أجرأ الأثواب وأقلها أحتشاما بدون أن ينتقدها أحد , ومرارا كادت أليكس أن تحمر خجلا بالنيابة عنها والى أن تذكرت أنها معتادة على الأضواء وعلى الباس بطريقة مثيرة تلفت اليها الأنظار.
وذات مساء قال لها تشيس مداعبا وهو يناولها كأس شراب:
" أحاول أن أتصورك مرتدية أحد أثواب دافينا , أغلب الظن أنك ستبدين أكثر جاذبية منها".
ركزت بصرها على الكأس الذي يحمله وردت بجمود:
" لن أتمكن من خوض مباراة كهذه".
تمنت لو يتركها ويذهب للتحدث مع شخص آخر لكنه بقي الى جانبها وغمغم معلقا:
" لو لبست ثوبا كهذا لخطر لي أن أختطفك".
" لم لا تحاول أستعمال هذه الوسائل الهمجية مع الآنسة وايلد؟".
" آه , لكن الآنسة وايلد لا تثيرني بمقدار ما تثرينني".
كانت عيناه تجوبان الثوب المحتشم الذي أختارته لها أمها , وفجأة بدا تشيس نافذ الصبر وقال بضيق مهذب:
" شعرك رائع يا أليكس كحرير ذهبي , وقوامك لا يعوزه شيء من الفتنة , لكنني مغتاظ أشد الغيظ من الشخص الذي يختار لك ثيابك , أهي أمك؟".
ألتهب محياها غضبا وأجتاحتها رغبة شرسة في الرد بعنف على نظرة عينيه الوقحة لكن وجود الناس حولهما جعلها تتمالك نفسها وتقول بتوتر:
" ثيابي لا بأس بها".
" كذلك الخبز والزبدة ..... عندما نتزوج....".
ولحسن حظها قطع عبارته رنين جرس العشاء فغمغم تشيس وهو يقبض بحزم على ذراعها المتقلصة :
" أسمحي لي بمرافقتك الى قاعة الطعام".
بالرغم من غضبها أستطاعت أن ترى الدهشة تتسم على وجوه الآخرين ,وحين دخلا قاعة الطعام وأفلت ذراعها وجدت أن الموقف يستدعي بعض الأيضاح للآنسة مارشال , ولفرط ما أحدثت فيها عبارته الأخية من أضطاب أندفعت تبر ذلك بأول فكرة خطرت لها:
" أت سؤال تشيس عن جيداه , فلديه مجموعة ائعة من الأحصنة الأصيلة , هذا العصر كنت والآنسة وايلد نراقب أندور بليك وهو يريض أحدها , وقد أخبرت تشيس لتوي كم أستمتعنا برؤيتها أذ هي فرصة نادرة لم تتح لي قبلا".
لم تحسب حسابا لأمكانية سماع تشيس عبارتها , ولم تعرف ذلك ألا حين سمعته يقوم بدماثة وبعزم خفي على معاقبتها :
" سأعرفك الى كل خيولي يا حبيبتي , شرط أن تستيقظي باكرا".
أحست أليكس أن ثمة شيطانا يدفعها , فأبتسمت لدافينا الجالسة الى جانبها وقالت بمكر:
" أظن أن السيد مارشال يوجه اليك الكلام يا آنسة وايلد؟".
سارعت دافينا الى تصديقها فبادلتها النظر وقالت وعيناها تومضان أنتصارا:
"أتعلمين أنه منذ مجيئي وأنا أتحرق شوقا الى تلقي هذه الدعوة؟ لكن تشيس صعب المراس جدا".
ثم أبتسمت له بأشراق وقد فسرت على الأرجح بريق غضبه الأنتقامي على أنه فرح, وأردفت تعاتبه بعذوبة :
"يا لغرابة أطوارك يا حبيبي , لم تأخرت في دعوتي الى هذا الحد؟".
لم تقدر أليكس أن تفهم لماذا أظلم قلبها حينما رأتهما ينطلقان معا صباح اليوم التالي , في الليلة الفائتة تجاهلت تعبير تشيس المكفهر وهنأت نفسها على براعتها في الأيقاع به , وهذا الصباح باتت تشك في ذكائها .... أقرت بتردد أنها كانت ستسعد جدا برفقته , وفكرة أن تشاركه دافينا متعة الجولة الصباحية المنعشة سرعان ما سحقت شعورها السابق بالأنتصار , وبدأت تحل مكانه قناعة حائرة ومتزايدة بأنها لم تدرك بعد مدى قوة الرجل الذي تواجهه , بعد العشاء لم يحاول الأقتراب منها بل جلس في قاعة الأستقبال يرشف الشراب ويتحدث الى الحاضرين الأمر الذي بعث فيها ضيقا رهيبا لم تفهمه.
ألتقت روبي المتوجهة الى حوض السباحة حيث أستوقفتها لتسألها:
" ما رأيك أن تشاركينني السباحة يا أليكس ؟ عمتي هارييت ما تزال في فراشها ولن تحتاجك قبل ساعة على الأقل , أما تشيس فقد ذهب مع دافينا حسبما رأيت , أعتقد أنهما سيقصدان معسكر التدريب , في أي حال , لن يعودا قبل الغروب ولذا لن يحتاجك تشيس بدوره".
ترددت أليكس أذ أحست بأغراء فاتر يحثها على القبول بيد أنها نفضته عنها وأجابت بتصميم ضميري:
"وعدت عمتك أن أطبع لها كدسة من الرسائل تحتاج الى توقيعها ,هناك أيضا رسائل لأخيك لم أستطع أنجازها يوم أمس , أنني لست في أجازة كما تعلمين".
لم يبد على روبي أقل أنزعاج من عبارة أليكس الأخيرة وقالت ب أكتراث:
" حسنا , أنما لا تدعي الأمر يبدو وكأنه عقوبة فرضت عليك , فوجودك هنا يظل أفضل بكثير من جلوسك في مكتب خانق في ملبورن , فكري أيضا في المتع التي ستجنيها من مشاهدة زفاف نادر قد لا تتاح لك الفرصة لأن تشاهدي له مثيلا في مناطق أخرى".
" هل نسيت بأنني لم أجيء الى هنا من الأساس؟".
بوسع روبي أن تتذكر أشياء كثيرة أنما من المناسب لها , لى ما يبدو , أن تتعمد نسيانها , فقبل بضعة أسابيع فقط وصفت كولابرا بأنها تبعث على الأختناق! هزت روبي كتفيها بكسل مغناج وقالت:
" لا تأبهي لذلك وكفي عن القلق! أن زيارتك قد حققت أهدافها , فهنري مقتنع بأنه تسرع آنذاك في أتهامي , أليس هذا ما يعتقده؟".
" وما شأني أنا بكا هذا؟".
" ألن يكون رائعا لو أستطعنا الأحتفال بزفاف مزدوج ؟ تشيس ودافينا , الفكرة راودتني فجأة ! ما رأيك! أتظنينهما يحبان بعضهما بعضا؟ ".
تهربت أليكس من جواب مباشر فأجابت متعثرة:
" لقد ذهبا في نزهة فقط".
" لا أعرف , منذ بضعة أسابيع أظهر تشيس تعلقا بها وما لبث أهتمامه أن فتر , لم يلحق بها الى سيدني كما توقعت بل جاء الى ملبورن".
فذكرتها أليكس بقولها:
"جاء وقتها ليتحرى تصرفاتك".
" صحيح , لكنني ما زلت محتارة , فدافينا موجودة في كولابرا وتشيس لم يغادرها بسرعة كعادته , لا بد أن هذا يعني شيئا , كما أن زفافي ليس الدافع الى بقائه فهو لن يدعه يعرقله عن أعماله , يجب أن يكون هناك سبب آخر لبقائه , أنه دافينا على الأرجح وهذا ما أعتقده أنا وعمتي هارييت".
أخيرا وصلت أليكس المكتب وهناك حاولت أن تجمع شتات ذهنها وتفكر بمنطقية ,أن كان تشيس قد وقع في الحب , وهي تشك في هذا بعد الملاحظات التي أبداها حول الموضوع ليلة سبحا معا , فعسى ألا يكون وقع في حب دافينا , أن مجرد تفكيرها في هذا الأحتمال يثير فيها غثيانا بسيطا لا تفهم له سببا , لكن مشاعرها الخاصة أتجاه تشيس معقدة ومتضاربة الى حد يعجزها عن تنسيقها.
رجع تشيس ودافينا الى المنزل خلال العصر , وبعد ساعة من الومن غادرت دافينا المزرعة وسط دهشة الجميع ,لم يقل أحد شيئا وبدا أنهم قرأوا في وجهها المكتسي بغضب بارد تفسيرا كافيا لرحيلها المفاجىء ولتأكيدها بأنها لن تعود لحضور الزفاف.
وفيما كانت روبي تستعد لقضاء السهرة مع هنري قالت لأليكس بجفاف:
" رحيلها يثبت مبلغ خطأي في التحدث عن زفاف مزدوج!".
" قد يصطلحان في ما بعد , أقصد أذا كان السبب مجرد خصام بين المحبين".
هزت روبي رأسها وقالت بلا أكتراث:
" أشك في ذلك , أستطيع رؤية الأمل الميت في وجه أي فتاة وهذا ما رأيته في وجه دافينا , بوسع تشيس أن يتصرف بمنتهى الوحشية أحيانا".
بدا البيت هادئا بعد رحيل دافينا ورحبت أليكس بذلك الهدوء ,وصل هنري ليصطحب روبي وكانا مدعوني الى العشاء من قبل أصدقاء له في ماونت آيزا , أتفق على أن تنام روبي في مزرعة هنري لتتباحث مع والديه في اليوم التالي حول ترتيبات الزفاف الأخيرة , بعد العشاء أعلنت العمة هارييت أنها ستنام باكرا ثم طلبت تشيس الى أليكس الى أن توافيه الى غرفة مكتبه قائلا بأقتضاب:
"أريد التحدث اليك".
كانت تشعر بالأرهاق كما حال الجميع , أذ قضوا واحدا من تلك الأيام المحمومة التي تسبق الأعراس الضخمة , الشغل تواصل بجنون , فما أن ينتهي عمل حتى ينبت مكانه عملان آخران وهكذا دواليك وخلال العشاء لحظت أليكس تأثير الأرهاق على العمة هارييت فقررت أن تغتنم الفرصة وتلفت تشيس الى الأمر لدى أجتماعها به في غرفة المكتب , قرعت الباب فقال تشيس من الداخل:
" تفضلي".
فعلت ذلك وأغلقت الباب خلفها , طالعتها جاذبية البارزة في ثيابه الأنيقة وبدا أنه يطل عليها ويغمرها من مكان عال , حدقت اليه محتبسة النفس وهي لا تدري مدى جاذبيتها وسحرها , شعرها الأشقر ينسدل متألقا على جانبي وجهها الرائع التكوين فيما عيناها الغامقتا الزرقة تعبران عن شعور سجين , سارعت الى القول بأستعجال عكس حالتها الذهنية المشوشة:
" عمتك مرهقة يا تشيس , يجب أن تلح عليها بالبقاء يوما في الفراش ".
" يا فتاتي العزيزة , أطبقي فمك وأجلسي على أحد المقاعد , أن عمتي سترحب بأن تقضي شهرا كاملا في الفراش بعد أنتهاء الزفاف , أما الآن فلا وألف لا! قد تكون متعبة لكن هي وحدها التي من المفروض أن تعرف ذلك".
" هل تعلم , يا ترى, أنها قد تصاب بأنهيار؟".
" كلا , لن تنهار , أنما ينبغي أن نحول دون ذلك بطرق لبقة".
" سأبذل قصارى جهدي ".
" لم يبق سوى ثلاثة أيام , ستمضي كلمح البصر".
أومأت وعلقت بمرارة:
" أرجو أن تكون مصيبا , فلا أحسبني سأستطيع البقاء هنا بعد اليوم ".
رفع حاجبيه أستغرابا فطوحت يديها بأستسلام وأردفت:
" أوه , أدرك أنه ليس من اللائق أن أتخلى عن الآنسة مارشال في وقت أحتياجها الي لكنني لا أرى أية جدوى من بقائي!".
سكب لكليهما شرابا وقال بحزم:
" بالطبع هناك جدوى من بقائك وحيث تتدربين جيدا على الأعداد لزفافك اللاحق لزفاف روبي".
أعجزها أرهاقها عن مجادلته فتنهدت وأغمضت عينيها نصف أغماضة , قد يكون تعليقه عاديا لكنها ترجح العكس , فعيناه تومضان بنظرة هادفة ولا يسعها التغلب على حيويته العارمة , الليلة تعجز حتى عن المحاولة , يجب أن تعالج الموقف بروح الدعابة وتتظاهر بأن تعليقه كان مجرد مزحة:
" أعتقد أن عرس روبي قد زودني بتعب يكفيني لسائر أيام حياتي , أنها تجربة لا أرغب في تكرارها".
" للأسف , لا يوجد أمامك خيار آخر , ألا أذا أردت أن تعيشي في الخطيئة , أنا واثق أن أمك سوف تستعمل هذا التعبير ".
" أظن الأمر كذلك".
تثاءبت بتهذيب وأردفت وهي تجر قدميها المتعبتين في أتجاه الباب:"
لكن لا شيء يدعوني الى القلق ما دمت لا أفكر في الزواج أو العيش في الخطيئة".
فأستوضحها بخشونة :
" أين تذهبين؟ قلت لك أن تجلسي".
ترددت في البقاء لكنها عادت الى حيث يقف كي لا يظن بها الجبن.
لماذا لم تختلق حجة وتذهب الى غرفتها كما فعلت الآنسة هارييت ؟ قالت بصوت متوسل:
" لقد أنجزت كل رسائل , ألهذا السبب طلبت رؤيتي؟".
" رسائلي؟ كلا , ليس لهذه الغاية , أريد أن أعرف , هل عدت الى رشدك وقررت الزواج مني؟ لقد أعطيتك مهلة كافية للتفكير , لن أعلن خطوبتنا يوم زواج روبي , لكن أناسا كثيرين سيبقون في كولابرا بعد الزفاف وستكون مناسبة جيدة لأعلان الخطوبة , وبعد ذلك نتزوج بهدوء أن كنت لا تريدين عرسا كبيرا".
" أنت مجنون!".
قفزت الى الوراء حين وعت كلامه ورأته يلاحق خطواتها المتراجعة كظل أسود , حدقت الى وجهه القاسي وزعقت وقلبها يخفق رعبا:
" مجنون! لا أحد سيصدق أنك من دون سائر الناس , تتصرف بهذه الطريقة المناقضة تماما لطبيعتك".
ضاقت عيناه بنظرة كاوية عبّرت عن أحتقاره لأية فتاة غبية ترفض صفقة ضخمة تتمثل في شخصه العظيم , قال بشراسة مخيفة:
" لا تهمني طريقة تصرفي ولا يهمني البتة ما يقوله الناس عني! معظم الرجال يشذون عن طبيعتهم في مرحلة ما من مراحل حياتهم , أحيانا يضطرون الى ذلك وبخصة حين يتعاملون مع فتاة تافهة العقل على غرارك".
" أذن , ألا يجدر بك أن تهنىء نفسك على خلاصك المحظوظ؟ ما كنت لتستطيع أن تطيق زوجة بلهاء , ولا تميل اليها حتى! أنا أيضا لا أودك".
قبض تشيس على رسغها فتراجعت خطوة أخرى , جذب جسمها المتقلص صوبه وأمرها بصوت لاسع:
" تعالي هنا! أن كان علي أن أقنعك بأنك طبيعية تماما بالرغم من كل تحفظاتك الغامضة الجامدة فهناك طرق أقناعية أفضل من طرق الجدال "
لن تدعه يغزوها بهذه الطريقة! أذا أختار أستعمال العنف لنيل مأربه فلن تستسلم أبدا ,صرخت بهستيريا:
" كف عن ذلك!".
أرتفعت يدها بحركة دفاعية محضة وقد نسيت أنها تحمل كأسا , لم تقذفه به عن عمد أنما رأت الشراب ينسكب فجأة على سترته البيضاء الأنيقة , حدقت برعب الى البقعة التي بدأت تتسع على القماش الأبيض فأصابها ذهول وشهقت قائلة:
" أوه! سترتك! لم أقصد ذلك!".
" أحقا؟".
نظر بأحتقار الى محياها المصعوق وكأنه يفكر في جريمتها النكراء وليس في خسارة السترة , قال بحنق :
" لتلوث ثوبك أيضا كي نتعادل في الخسارة".
شدّها الى جسمه بعنف متعمدا معاقبتها وأيلامها فشعرت أليكس بالغرفة تدور بها فغصت وشهقت كغريق صغير لا حول له ولا قوة , تملكها غضب غمر كيانها فراحت تلكم كتفيه بقبضتيها , أعتقلهما بشراسة وهمس بصوت أبح:
" لقد أستمتعت بلحظة أنتصارك والآن جاء دوري".
" كلا!".
وبتصميم فجائي دفعته عنها بقوة فأرتخت ذراعاه وأصبحت حرة , وبحركة تلقائية أرتفعت يدها وصفعته على خده , رأت غضبه يتأجج فأستعدت برعب لمواجهة نقمته العارمة , أطلق شتيمة مختنقة فهربت تتعثر على البلاط الملمع , أخذت ترتقي الدرج العريض الذي بدا لها بلا نهاية , ولم تستطع أن تتأكد من مصدر الدوي في أذنيها , أهو خفقات قلبها أم وقع قدميه خلفها ؟ تماوجت الأضواء متراقصة وهي تحاول توسيع المسافة ببينها وبينه فيما حاولت أقناع نفسها بأن ذعرها ليس في محله فتشيس مارشال رجل محنك عاطفيا ولن يرضى على نفسه أن يلاحق فتاة بهذه الرعونة ويميتها من الخوف!
أحتمت بغرفتها متقطعة الأنفاس وهنا أرتعبت أذ رأته يدخل وراءها ويغلق الباب , لقد نزع سترته أنما بقي مرتديا قميصه الملوث الصدر , شقه بعنف مقتلع أزراره وهتف:
" عليك أن تعتذري , وأن لم يرق لك مشهد رجل عاري الصدر في رفتك فخير لك أن تسارعي في الأعتذار , لا أنوي قضاء الليل في قميص مبلل!".
هتفت وعيناهاتتأججان وسط وجهها الصغير :
" لست مدينة لك بأي أعتذار , أخرج من هنا!".
" أوتحسبين أنني سأدع الحادثة تمر دونما أعتذار؟".
تملكها الذعر فغصت بريقها , أنه رجل شهم , رفيع المقام , سيد على كولابرا وعلى أمور أخرى كثيرة لا يعلمها الا الله! لم تتوقع أبدا أن تراه ملتهب الغضب كما هو الآن! قالت شاهقة:
" أنك تصنع من الحبة قبة!".
" وأنت تتعمدين أستفزازي والله يعلم أن لدي من المشاغل ما يكفيني , لا توجد هناك فتاة عاقلة ترفض العرض الذي قدمته".
" لا ريب أنك تعزي نفسك بهذا التفكير ".أحترسي ! كفي عن الكلام وألا ....."
لم ينتظر التلفظ بتهديده بل جذبها اليه بشراسة , كان يعتقلها بقبضة حديدية وكأنه صمم هذه المرة على عدم أفلاتها.
أصابها غضبه الساحق بضعف وأرتجاف , وهكذا , حين رفع رأسه أخيرا أستلقت عاجزة , المعركة أقوى منها ولا يمكنها الأستمرار فيها , تمرد ذهنها على عواطفها ألا أن قوة عاطفتها أذهلتها , أصابعه خدشت جلدها الناعم حين رفع وجهها اليه وقال بحزم وأيجاز:
" أريد وضع حد لهذه المناورات السخيفة فما عاد لدي صبر ولا وقت للأستمرار فيها ".
أرتجفت على رغم منها وهمست:
" لن تستطيع أشعاري بالذنب, أنت االذي يج أن تحس بالذنب لوجودك في غرفتي".
أجابها هازئا:
"ما عاد ضميري يؤنبني على شيء كهذا , كان ذلك في الماضي , أما الآن فلا".
توهجت عيناها بفعل عاطفة غامضة وهتفت بنزق:
" لا شك أنك تفعل ذلك , أنما ليس هنا , فلا أحسب أن الأمر يصل بك الى أهانة الفتيات اللواتي تستضيفهن أختك في كولابرا؟".
" أذن أصبح حبي أهانة في نظرك؟ أخيرا بدأنا نتوصل الى الحقيقة!".
لف يده حول عنقها النحيل وأردف بلهجة أستفزازية:
" هيا , أخبريني المزيد , ماذا لديك من آراء آخرى تفسد ذهنك الضيق؟".
" ثق أن ليس فيها ما يرضي غرورك؟".
" دعيني أخبرك الى أي مدى ساهم رفضك في أحداث هزيمتك , عندما رأيتك لأول مرة لم أهتم بك جديا , لكن نظرتي تغيرت الآن".
لم تدرك قصده لفرط حيرتها الذهنية ,حدقت اليه بذهول ذعر ولما يئست من قدرتها على الفهم قالت لتستر أنخذالها:
" أنك تبالغ يا تشيس , لقد سمحت لفكرة بسيطة بأن تنمو وتكبر في ذهنك حتى تجاوزت حدود الواقعية , ليتك تفكر في الأمر قليلا".
جمدت أصابعه على عرق عنقها النابض , قال وهو يجول بصره عليها بوقاحة:
" أتقصدين أنني قاصر عن الأدراك ؟ عندما ألتقيتك لأول مرة أردتك ومنذ ذلك الوقت وهذا الشعور يتنامى في داخلي".
تهدلت لفرط أعيائها أنه أقوى منها بمراحل , ربما خير لها أن تصمت لكن كيف تصمت وبريق عينيه ينذر بالخطر ؟ توسلته بصوت مرتج :
" عليك أن تخرج من غرفتي ".
" ليس الآن , بوسعك أن تحتمليني لبعض الوقت".
" تشيس! أنت مجنون!".
شدها اليه مجددا وحملها بين ذراعيه قائلا بسخرية :
" أن كنت فقدت عقلي فلم لا تشاركينني جنوني".
أحست أنها معزولة عن العالم , سمعته يهمس بصوت أجش:
" أريدك يا أليكي! أنك تعذبينني.... أنت أيضا تريديننني".
" أريدك؟".
دوّت كلماته في سمعها أنما أستعصى عليها فهمها , قد يكون على صواب ....فهذه الدوامة العاطفية لا تكذب , لكن تشيس لا يحبها , وهذه الحقيقة تسطع في ثنايا ذهنها المستعر كضوء أحمر يشير الى مكمن الخطر , أنحنى عليها فتمسكت بكتفيه العريضتين , شعرت كما لو أنها تغرق وترحب في الوقت نفسه بالغوص تحت الأمواج التي باتت تتقاذفها وتطغي عليها , وفجأة أصبحت وحدها وسمعت تشيس يهمس بعنف:
" أنهضي".
لقد أبتعد عنها ورأته يدفن وجهه في الوسادة ويقلص يديه فوق رأسه .
بعد لحظات قصيرة , وفيما كانت تحاول الأمتثال لطلبه نهض واقفا على قدميه وتناول قميصه قائلا ببرود:
" أحمدي الله على أنني أريد أعطاء كولابرا عروسا طاهرة , سأظل عند كلامي شرط ألا تستمري في عنادك".
الأحتقار في صوته والذي أفهمها بوضوح أنه كان قادرا على أمتلاكها لو أراد, حول خزيها الى غضب , فهتفت بتهور:
" لن أتزوجك أبدا , فجهلي العاطفي لا يمكن أن يرقى يوما الى مستوى مهارتك الفذة!".
جلس على حافة الفراش وشرع يزرر قميصه بأصابع ثابتة , قال لها بأزدراء باتر:
" الجاهل يتعلم , كلنا علينا أن نبدأ التعلم من نقطة ما , أذا كان هذا كل ما يقلقك فنصيحتي اليك أن تطمئني , أن المعدل الذي تسيرين فيه سيمكنك من التفوق علي قريبا".
" أرجوك! أخرج من غرفتي!"


widad
مديرة الموقع

تاريخ التسجيل : 29/07/2016

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Empty رد: العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر

مُساهمة من طرف widad في السبت أغسطس 06, 2016 5:18 pm


7- حملة مركزة

أستقرت نظرة تشيس على وجها الغاضب قبل أن ينهض مجددا ويسير خارجا من غرفتها , شعرت بحنق شديد من غروره العنيد فودّت لو تقذفه بشيء قريب , لقد رفضت الزواج منه وستمضي في رفضها , ولن يضيره أن يتعذب ويتعلم معنى التوق ال المستحيل!
خف غضبها بالتدريج فأستلقت على الوسائد , كيف سيكون شعورها أذا خرج تشيس من حياتها مهزوما؟ أحست بشيء يقبض على قلبها ويمزقه نتفا.
مع أقتراب يوم الزفاف وأزدياد مشاغلها فكرت أليكس أنه من الأسهل عليها أن تتناسى أمر تشيس , أنما أتضحت لها صعوبة ذلك بسبب ظهوره المتواصل قربها وحولها , حسبت في البداية أن ألتقائهما المتكرر يحدث صدفة , وحتى أدركت أنه لا يؤمن بشيء أسمه الصدفة , وأن الأمور تحصل حسبما يخطط لها وليس لأنها من فعل القدر.
كان ينضم اليها والى روبي عندما تشربان القهوة على الشرفة ويظهر بأنتظام في مواعيد الغداء وحيث يحصر أهتمامه بها ويقول أشياء عابرة , لكن عينيه أستقرتا أكثر من مرة على وجهها الرائع الجمال وفي أحدى المرات خاطبها بكلمة( حبيبتي ) أمام الحاضرين ,في الواقع, حصل ذلك أثناء جدال , ونطقها بلهجة ساخرة , أحست وقتها بروبي تلتفت اليهما بسرعة وبالآنسة هارييت تحدق فيها بأستغراب , لكن نظرة تشيس بدت لينة ومتسلية قليلا وراء بريقها القاسي , سجنها آنذاك بعينيه فأخذت نبضاتها تسارع , عبثا حاولت أزاحة بصرها عنهما , ولم يطلق سراحها ألا حين سارعت الآنسة مارشال الى أخذ رأيه في مشكلة بيتية بسيطة.
عدا ذلك لم يظهر أي تقرب فعلي نحوها حتى يوم زفاف روبي وحيث لم يفارق جنبها لحظة واحدة الأمر الذي بدأ يثير الأنتباه , الآن صار يناديها ( حبيبتي) بكثرة وعلى مسمع الجميع , كرهت سماعها ,ولما ضاقت بها ذرعا وأنبته عليها بعنق قال لها ساخرا:
" ألست مسرورة لكونك تسرقين بعض الأضواء من حول العروس؟".
" كلا , فما تفعله قد يثير سلسلة من الشائعات غير الضرورية".
" شائعات قد لا يكون فيها شيء من الصحة ؟".
حدّق بأعجاب الى صورتها الرائعة في الثوب الجديد الذي أرسلته لها أمها بناء على طلبها , وقد بدت فيه الآن غاية في الجمال والأغراء , وهي لا تدري , تمعن تشيس في قوامها الممشوق وخصرها النحيل ثم ركز بصره على ذلك العرق النابض في عنقها وقال:
" جمالك في هذا الثوب يذهب بصواب أي رجل".
لم يسعفها ذهنها برد مفحم فهتفت:
" أنني أكرهك!".
" أذن سأجعلك تكرهينني أكثر".
أعتقل ذراعها وجرّها معه , كان عقد الزواج قد تم فلحقا بالعروسين الى قاعة الأستقبال حيث تقام حفلة كبرى , تجلت روبي كعروس وأجمع الكل على أن ثوب الزفاف قد كلّف ثروة صغيرة , كان من الساتان الأبيض الثقيل التطريز وقد أنسجم تماما مع سمرة روبي الجذابة , بدا هنري وسيما وسعيدا وهو يرفع ذيل ثوبها بطريقة مرتبكة كي تستطيع الجلوس براحة , حولت أليكس بصرها الى تشيس وكأنها تقارن بين الرجلين بخجل , فأتضح لها الفارق الكبير بينهما من حيث الوسامة والهيبة و أذ بدا تشيس فائق الجاذبية في لباسه الأنيق مما جعل أهتمام النساء في الحفلة يتجه اليه أكثر من أتجاهه الى العروسين , كذلك وجوده المستمر الى جانبها جعل نظرات الكثيرين تتجه اليها بأرتياب مما أشعرها بأمتعاض عميق , وزاد من الطين بلة بأنه لم يبد أي أستعداد لأنقاذها من هذا الموقف المحرج , لقد أستعانوا بمؤسسة شهيرة تؤمن الخدمة الكاملة في الحفلات المنزلية , وهكذا أستراحوا من هذه الناحية , كانت المؤائد مهيئة بجمال والطعام والشراب من أجود الأصناف , كل شيء متقن ويليق بعرس يقيمه آل مارشال وليس هناك أي شيء من شأنه أن يثير الأنتقاد , وفكرت أليكس بسخرية وهي تسترق النظر الى تشيس من تحت أهدابها الطويلة , أذا حصل أي تقصير فلا شك أنه سيقطع رأس المسؤول عن الخطأ! هو رجل لا يتوانى عن أبتياع الأفضل ويتوقع الأفضل وكان الله في عون من يسلمه بضاعة مغشوشة! تنهدت ونظرت بعيدا عنه الى السرداق العريض , ألتقى بصرها ببصر عانس كهلة كانت تبحث , على ما يبدو , عن مشهد أكثر تشويقا من مشهد عريس وعروس , أبتسمت لأليكس قائلة:
" عسى أن نفرح بك قريبا يا عزيزتي".
ولما أكد لها تشيس بحزم أن ذلك سيحصل شهقت السيدة بصوت مسموع ونظر الحاضرون الى أليكس بأهتمام حشري.
أعتراها الحنق فهمت بالنهوض ومغادرة المكان ألا أنها شعرت بأصابع تشيس تلتف حول ذراعها وسمعته يهددها بصوت خفيض:
" أبقي حيث أنت , أذا هربت فسوف أعيدك بالقوة ولو أضطررت الى حملك".
أجبرها على الجلوس حتى نهاية الحفلة التي طال أمدها أذ تخللتها خطب عدة وشرب أنخاب , أكتنف أليكس ضيق شديد لم تشعر له مثيلا من قبل وخصوصا أنها رأت روبي والآنسة مارشال تتساءلان بصمت حشري عن سبب جلوسها الى جانب تشيس , قالت لنفسها بتمرد ,لا بد أنه الشخص الوحيد الذي يستمتع بما يفعل! وحتى عندما وقف أمام المدعوين وألقى خطابا قيّما أحست بنظراته تتسلط عليها أكثر مما يجب , أنحنى يشكر الحضور على تصفيقهم الحار ثم عاد يجلس قربها فقالت له وأعصابها الثائرة ترجف صوتها:
" أنت تفعل هذا عن تعمد! لا أدري ماذا تعتزم....".
فقاطعها ببرود محدقا في عينيها الزرقاوين :
" أعتزم الزواج منك بطريقة أو بأخرى كما أخبرتك سابقا , وأن لم تتزوجينني في خلال أسبوع فسوف ترين ما سيحل بك قريبا , جميع الناس يحبون أن يراقبوا حبيبين جديدين يا عزيزتي لكنهم يحبون أن يراقبوا أكثر فتاة مرفوضة من حبيبها".
" في هذه الحال سأدعهم يعلمون أنني أنا التي رفضتك".
أبتسم ورد بخشونة لا تنم عن أي حب:
" أحقا؟ ومن سيصدق زعمك؟ أترين هؤلاء السيدات؟ أذا أستطاع بعضهن أن ينشب مخالبه فيك يا حبيبتي , فسمعتك ستصبح أشلاء مبعثرة , في هذه الحال , ماذا ستقول أمك؟".
" أنت شيطان!".
" أذن , سأكون زوجا مثيرا!".
" لا أريد زوجا من أي نوع كان".
رق ملمس يده على ذراعها وقال وأصابعه تداعب جلدها الناعم:
" بل تريدين واحدا , من الخير أن توقظي نفسك يا أليكس قبل فوات الأوان , أقول لك بجدية تامة أن فيك عواطف قابلة للألتهاب السريع , وقد تحرقين نفسك في يوم ما مع رجل غريب , أعلم هذا من خلال معرفتي الخاصة بك , أتذكرين؟".
أرتعشت وسلخت بصرها المعذب عن بصره ... الآن يحاول أرعابها , ألم يدرك بعد أنها تؤمن بالحب كشرط أساسي للزواج؟
بعد أنتهاء الحفلة بقليل غادر العروسان كولابرا ليقضيا شهر العسل في أوروبا , رافقهما عدد من الضيوف لتوديعهما في المطار فيما بقي سائر المدعوين وحيث أستمر الرقص والمرح حتى الفجر , أضطر تشيس , كمضيف , الى مراقصة النساء الأخريات لكنه رقص معها أكثر مما رقص مع سواها , أطل الصباح وهي ما تزال في كامل حيويتها ورونقها وكأنها زهرة ندية تموج في ثوبها الرائع وشعرها ينسدل كغيمة حريرية على كتفيها .
غادرا السرداق المكتظ بالناس وأصبحا بين الأأشجار قبل أن تعي ما حدث , لم يرخ قبضته العنيدة حتى قطعا مسافة معينة لم تدر كيف مشتها , وقفا في زاوية مظلمة منعزلة من الحديقة , كان هواء الليل دافئا ومثقلا بأريج الزهور , , تنفست أليكس بعمق لتستمد بعض الشجاعة على مواجهته لكنها شعرت بالعبق القوي يدير حواسها , حاول جذبها اليه فهتفت ذعرة:
ط أتركني! أذا صرخت أطلب النجدة فلا بد أن يسمعني أحد!".
" يجب أن نحول دون ذلك".
صرخت فيه محتجة , لف ذراعيه حولها بقبضة فولاذية فشعرت بعقم المقاومة , لم تقدر أن تفكر ألا في نوع واحد من الدفاع , أذا كفت عن المقاومة فقد يفقد أهتمامه بها , لماذا لا تتعلم أن العكس يحصل دائما؟
لم تشأن أن تدعه يشعر بمدى تأثير عناقه عليها فتلوت بعنف بين ذراعيه , مرر أصابعه في شعرها وحاصر رأسها بكفه العريضة الى أن هدأت وأستكانت الى عناقه , خفق قلبها وشعرت بسروره من تجاوبها العاجز لحبه , لقد سيطر عليها منذ البداية , أجتاح أفكارها ثم سيطر على حواسها.
أحس بضعف مقاومتها فأرخى قبضته قليلا كي يتيح لذراعيها بأن تزحفا وتلتفا حول عنقه.
وفجأة أبعدها عنه بسهولة حسدته عليها بمرارة , لقد أستعاد قوة بأسه المعهودة وبدت على شفتيه بسمة أنتصار خفيفة وهو يقول:
" أليكس , أود كثيرا أن أحملك الى عالمي أنما عليّ أن أضبط نفسي".
رآها تترنح فسألها بحدة:
" هل أنت بخير؟".
ولما طمأنته بأيماءة خرساء أضاف قائلا:
" أود أن هدي ضيوفنا خبرا سعيدا يتناقلونه , فهل أعلن خطوبتنا غدا؟".
هتفت تجيب تلقائيا:
" كلا! لا يحق لك أن........".
فرد بغضب ألهب عينيه:
" لا بد أن ترضخي لي في وقت قريب".
ضحك بخشونة وهما يستديران عائدين الى البيت , لم يكترث لوجهها الشاحب وخطواتها المرهقة وقال متوعدا:
" أن لم توافقي فسوف أجد طريقة لأرغامك , قد تجدين نفسك في يوم قريب مضطرة الى قول نعم".
تمتمت بتعاسة :
" قلت ذلك قبلا".
فرد بوحشية:
" لا ضير من الترداد".
أنقضت الحفلة بعد ذلك بقليل مع أن كثيرين لم يفكروا في الأيواء الى فراشهم , كان البيت مليئا بالضيوف الذين سيمكثون لبضعة أيام, وبدت غرف النوم وكل الأماكن الفارغة مكتظة بأناس يحاولون الأغفاء لساعة من الزمن , كان هناك آخرون تخلوا عن فكرة النوم وتناولوا الأفطار ثم أظهروا قدرة تامة على أستقبال يوم آخر مما جعل أليكس تستغرب حيويتهم العجيبة ,ولطالما أستغربت أيضا حيويتها الخاصة لكن ما من طاقات , بعد رحيل جميع الضيوف ألح عليها تشيس بالأستراحة لبضعة أيام فلم تشعر بأقل ميل لمجادلته لفرط شعورها بالأرهاق , كانا يتناولان القهوة مع الآنسة مارشال في قاعة الجلوس ولما طرح عليها تشيس أقتراحه أبتسمت له بأمتنان ولم تقل شيئا , تأملتها العمة هارييت بحنان وعلقت قائلة:
" لقد قمت بأكثر من واجبك وساعدنا كثيرا يا عزيزتي , في رأيي أن مساعدتك ساهمت الى حد كبير في أنجاح حفلة الزفاف".
وقال تشيس لعمته بقصد أن يغيظها هي:
" ما أن تمضي بضع سنوات على وجود أليكس هنا , حتى تكتسب سمعة رائعة , ربما في وقت أقصر , أذا وافقت على البقاء".
فأشرق وجه العمة هارييت وعقّبت :
" ليتك تبقين يا عزيزتي , فقد بدأت أدرك قيمة وجودك كمعينة عامة , السيدة ياونغ ماهرة في عملها أنما لا يمكنني الأعتماد عليها في أشياء أخرى ككتابة الرسائل وأستقبال الزوار , ثم أن لديها ما يكفيها من أشغال ".
أحست أليكس مجددا أنها في مصيدة فقالت بوهن:
" يؤسفني أنني لا أستطيع المكوث مدة أطول"
من الصعب أن تخيّب رجاء الآنسة مارشال وتقول أنها مضطرة الى الرحيل الفوري , وهذا بالطبع ما يجب أن تفعله , صحيح أنها لم تشاهد كولابرا كلها وقد لا تشاهدها أبدا , لكن ضرورة أبتعادها عن تشيس بدأت تتزايد يوما بعد يوم , فمنذ زواج روبي سألها مرتين أن تتزوجه ورفضت , في المرة الثانية أرعبها غضبه الجليدي حتى خيل اليها أنه سيفقده عقله ألا أنه تمالك نفسه وبدا عازما على تنفيذ قرار معين لم تقدر أن تحرز ما هيته , ذكرى نظرته المخيفة لازمت مخيلتها وأزداد شعورها بالخطر يوما بعد يوم , بدت العمة هارييت غير مقتنعة بجواب أليكس ثم تركتهما لتتشاور مع السيدة ياونغ في شؤون البيت , وما لبث تشيس أن فاجأها بقوله:
" يجب أن تبقي هنا لبينما أعود".
تساءلت لماذا راح يرقبها كقطة تترصد فأرا وسألته متعثرة:
" لبينما تعود؟ لم... لم أعرف أنك ستسافر".
نهضت من مكانها قلقة فتقدم منها وقال مبتسما بتقلص:
" ألم يخبرك أحد؟ سأذهب الى سيدني ,وأرجو أن أتمكن من العودة يوم الخميس".
قالت وهي تحدق اليه بقلب خافق:
" يمكنني الذهاب معك الى بريسبين ومن هناك أستقل الطائرة الى ملبورن".
" كلا ,لن تذهبي الى أي مكان , ستكونين في أستقبالي لدى عودتي , وأن أطعت كلامي فقد آتيك بمفاجأة".
أذن , ظنها كان في محله ! أنه يخطط شيئا ما! أتسعت عيناها بيأس متزايد وقالت:
" لا أريد مفاجأة أريد فقط أن أرحل , متى ستذهب؟".
" فورا , فأندرو ينتظرني في حقل المطار".
" الآن؟".
أكد لها بفتور , وكأنه يهزأ من محاولتها الصامتة في أيجاد طريقة خطته:
" أجل , سأذهب الآن , بوسعك أن ترافقيني الى حقل المطار أنما لن تذهبي الى أبعد من ذلك".
وافقت على أقتراحه وهي تنوي أستغلال الدقائق القليلة , المتبقية , لتبحث في خلالها عن طريقة ما تجعله يغير رأيه , سألته:
" لماذا لم تخبرني مسبقا؟".
" كيلا تضايقيني أكثر مما تضايقينني الآن بأسئلتك , هذا أول يوم هادىء نقضيه معا منذ أسابيع".
كان أندرو قد وضع حقيبة تشيس على المقعد الخلفي لسيارة الجيب وهكذا رفعها تشيس وأجلسها بينه وبين أندرو ثم أنطلقوا , لم تجرؤ على الأعتراض , كذلك لم تقل شيئا حين وضع كتفه على ذراعها بحجة أسنادها في حال مالت بهم السيارة فوق الأماكن الوعرة , ثم هبطت يده الى خصرها فتملصت منها ورأته من طرف عينيها يبتسم بشماتة , كانت الطائرة الصغيرة في أنتظاره وهنا أدركت أليكس أن لا أمل هناك في فعل أي شيء! في الروايات فقط تستطيع البطلة أن تختبىء في الطائرة , أنما ليس هي , كان تشيس يراقبها بدقة ويقرأ أفكارها وما عتم أن هز رأسه مؤكدا لها أستحالة ما تفكر فيه , غمر كتفيها بذراعيه مجددا وقال محدقا في عينيها الخائفتين :
" هيا ودّعيني".
أحنى رأسه فأحست بأندرو بليك يشيح عنهما بكياسة فأزداد أمتعاضها لكون تشيس يتقصد أحراج موقفها , خير لها أن تعانقه من أن تبدأ معه معركة جديدة , وكي تنتهي بسرعة رفعت له وجهها كطفلة مطيعة , أبعدها عنه أخيرا ثم قال وعيناه تستعران:
" ومع ذلك تصرين على الرفض!".
أبتعد عنها فجأة وأخذ يكلم أندرو فيما بقيت كلماته الهازئة ترن في أذنيها .
في الأيام القليلة التالية وجدت صعوبة في التركيز على مطلق شيء مع أنها أقنعت نفسها بوجوب أرتياحها لغيابه ثم أتضح لها أن العمة هارييت كانت علم برحلة تشيس أنما بررت صمتها بأنها لم تجد موجبا لذكر الأمر , لم تدر أليكس هل تصدقها أم لا , فأحيانا ينتابها أحساس أكيد بوجود مؤامرة كبرى تحاك ضدها.
خطر لها مرة أنه قد لا يكون هناك ما يمنع هروبها من كولابرا في غياب تشيس , فهي لا تعرف نوعية التعليمات التي أوصى بتنفيذها لكنها متأكدة أنه لم يصدر أمرا صريحا يقضي بمنعها من مغادرة المزرعة , ومع ذلك أهابت بها الغريزة أن تتحق من الأمر , وهكذا توجهت الى العمة هارييت وبدأت أولى تحرياتها بقولها:
" أود أبتياع بعض الأغراض من ماونت آيزا , فهل يمكنك الأستغناء عني لبعض الوقت؟".
أنبها ضميرها على هذا الخداع أنما لم تر أمامها وسيلة أخرى , ألتفتت اليها العجوز بحدة وردت بحذر:
" قد أستغني عنك أنما لا أحسب أحدا لديه الوقت لمرافقتك , أندرو مشغول بتجميع المواشي على ما أظن".
" لا موجب لأن يأخذني أندرو بنفسه , أليس هناك أحد سواه؟".
هزت الآنسة مارشال رأسها وقالت بغموض:
" ربما في وقت لاحق من الأسبوع , لم لا تسألين أندرو؟".
" أذن, هل لك أن تعطيه أمرا بذلك؟".
فردت العجوز بطريقة غير مقنعة :
" أوه , لا أستطيع أن أفعل ذلك يا طفلتي العزيزة".
صممت أليكس على المضي في أستقصائها فأنصرفت فورا لترى أندرو ولما أظهر ترددا توسلته بقولها:
" ألا تقدر أن تجد وقتا لمرافقتي؟".
" آسف , لا أستطيع ذلك قبل بضعة أيام على الأقل".
عندما يعود تشيس ! وبعكس ما ظنت سابقا بدأ يتضح تماما أنه ترك أوامر محددة!
حاولت أخفاء غضبها وراء أبتسامة ساحرة وقالت بعناد:
" لا تقل أنك لا تستطيع الأستغناء عن رجل واحد , فلقد رأيت عشرات الرجال من حين مجيئي ".
أبتسم بدفء لوجهها الرائع كوجه ملاك وقال:
" وكل واحد منهم لديه ما يفعله , ما رأيك أن نقوم بنزهة على ظهر الجياد؟ هذا ما أوصاني به الرئيس بنفسه".
" كلا , , شكر قد يستغرق ذلك الوقت ذاته الذي تستغرقه رحلة الى ماونت آيزا".
خبت أبتسامتها حين تركته ,وكان جوابها الأخير غاضبا.
بعدما سدت منافذ الهرب في وجهها , وجدت نفسها تفكر في تشيس صبحا ومساء , وفي ذات يوم , وهي تتنزه في الحديقة , أدركت فجأة أنها لم تعد ترغب في الهرب منه , وذهلت أذ تحققت أنها تحبه بعمق , هذه المعرفة المباغتة هزت حواسها هزا فأضطرت الى الجلوس بوهن , لا تدري متى حصل الحب , ربما كان موجودا طوال الوقت ويصارع للأعلان عن نفسه خلف تلك الكراهية التي أقنعت نفسها بأنها تشكل شعورها الوحيد أتجاهه , كان يجب أن تدرك في لحظات معينة أن العواطف التي تستشعرها معه لا يمكن أن يكون الكره أساسها , أحست دفئا يغمر كيانها لدى تذكرها تلك اللحظات وتاقت الى عناقه من جديد , نهضت تقف بتعثر , وجالت كالتائهة في أرجاء الحديقة حتى وصلت بقعة برية بعيدة عن البيت وحيث فاجأت مجموعة ضخمة من الببغاوات الملونة بوصولها , اليوم , وذهنها مركز على تشيس وحده , بالكاد لاحظت جمالها الصاخب .... حبها له لن يغير شيئا .... صحيح أنه ودّعها بعاطفة قبيل سفره أنما بدون حب , أنه مثل أمها , كامل السيطرة ودائم التصميم على نيل مآربه , زواجها منه سيكون مجرد أنتقال من رباط الى آخر , والفكاك من الزواج سيكون أشد صعوبة من الفكاك من أمها! أنما مع مرور الساعات والأيام ببطء رهيب بدأت أليكس تغير رأيها , أنها تفتقده بشكل يائس .... الليالي تمر عليها طويلة , وأحيانا تقضيها في البكاء والأرق , الفراغ يهدأ أعصابها فينتابها الصداع في النهار وتسود عينيها ظلال السهاد.... وفي حال رضيت أن تتزوجه فن يكون وضعها أسوأ من العذاب الذي تقاسيه الآن , كذلك سيتم الزواج بمحض أختيارها ولن تكون لأمها أية علاقة به , هذا العامل سيسهل عليها القبول أن لم تجد القوة الكافية على الأستمرار في رفضه.
أربعة أيام مرت على غياب تشيس حيث لا علم منه ولا خبر , أربعة أيام توقف فيها الزمن بالنسبة الى أليكس وجعلتها تعي مبلغ وحشتها بدونه , وهذا شيء لم تحسه من قبل, أنها تحب المزرعة المنعزلة هذه ودائما كانت تجد شيئا يشغل وقتها أنما في غياب تشيس شعرت كما لو أنها فقدت المحور الذي كانت تدور حوله , وحين بعث خبرا بواسطة أندرو يعلن عودته أجتاحتها غبطة عارمة هزت كيانها , هتفت بفرح ووجهها يتألق كثريا:
" كم طال غيابه!".
تبادل أندرو والآنسة مارشال نظرة أستغراب سريعة ثم أشاحا عنها , قالت العمة هارييت ببسمة خفيفة:
" عودته ستكون ممتعة , هل قال شيئا آخر يا أندرو؟".
حدق أندرو الى السجادة وقال بأرتباك :
" كلا....ز هذا كل شيء".
أستأذنت أليكس بالأنصراف وغادرتالغرفة أذ شعرت برغبة قوية في الأنفراد ,قصدت مكانها المفضل في الحديقة حيث أمضت بعض الوقت ثم رجعت الى المنزل , وفي طريقها الى غرفتها لتغسل وجهها ويديها أستعدادا لتناول الشاي أرتطمن بالسيدة ياونغ على الدرج وكانت الأخيرة بادية التوتر على غير عادتها , عجبت أليكس لأمرها فتوقفت تسألها:
" هل بك شيء يا سيدة ياونغ؟ أتريدين مساعدة ما؟".
" لا يا عزيزتي , لقد وضبت كل شيء , السيد مارشال سيأتي معه بضيفة صديقة , فأضطررت الى الأستعجال في تهيئة غرفة لها , دائما لدينا غرف جاهزة لأستقبال الضيوف في الأحوال العادية لكن المشاغل التي خلفتها حفلة الزفاف حالت دون ذلك .
ضيفة؟ صديقة؟ تابعت أليكس طريقها وقلبها يجثم كالحجر في صدرها , أذن لهذا السبب أرتبك أندرو في جوابه , أنها دافينا بالطبع.... أم أنه سيأتي بصديقة أخرى؟ وفكرت بمرارة , أبهذه السرعة يستغني عن قديمه ويتعلق بجديده بدون أن يؤنبه ضميره؟
بدأت الدموع تسيل على وجنتيها وقد بكت ما يكفيها في الأيام الأخيرة , سارعت الى مسحها وحثت نفسها على التماسك , أنتظرت حتى سمعت صوت محرك السيارة , شهقت بألم وأصغت الى أقتراب الصوت والى أن توقف في الخارج , أنه أندرو وقد جاء بتشيس وصديقته من حقل المطار , أعقب ذلك صمت فجائي ثم سمعت غمغمة أصوات أكدت لها الحقيقة , خطر لها أن تبقى في غرفتها حتى موعد العشاء ألا أنها تحكمت في أعصابها وقررت الأسراع في تسوية الموضوع كي ترحل في أقرب وقت ممكن , كانت ترتدي فستانا صيفيا من الحرير قماشه الرقيق يبرز قوامها الرائع وياقته المقورة جريئة بعض الشيء أنما بلا أبتذال , أنه من النوع الذي ترتديه عادة في النزهات أكثر مما تلبسه أثناء تناول الشاي لكنها شعرت اليوم بحاجة كبيرة الى شيء يزودها بثقة أضافية.
مشطت شعرها بسرعة وتنهدت بأرتياح لمرآه الجذاب , أجل شعرها وقوامها يبدوان اليوم أجمل ما فيها , فيوم أمس تألق محياها كالشمس بفعل قرارها الخاطىء أن تتزوج تشيس , أما الآن , فيبدو قلقا شاحبا وبلا روح , قرصت وجنتيها بيأس لتحرك فيهما بعض اللون.
وصلت الطابق السفلي فتناهت اليها أصوات تنبعث من قاعة الجلوس المطلة على واجهة المنزل , توقفت للحظة تحدق الى الباب المغلق , لقد وعدها تشيس بمفاجأة لكنها أستعدت لها جزئيا والحمد لله , زرعت أبتسامة جامدة على سفتيها الشاحبتين ثم أخذت نفسا عميقا وفتحت الباب بهدوء.
عبرت العتبة وما لبثت أن تسمرت في مكانها من هول الدهشة , تمسكت بمقبض الباب بأصابع متجلدة وأحست أنها على وشك الأغماء , فالسيدة الجالسة الى جوار العمة هارييت بأسترخاء تام ..... لم تكن سوى أمها.

widad
مديرة الموقع

تاريخ التسجيل : 29/07/2016

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Empty رد: العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر

مُساهمة من طرف widad في السبت أغسطس 06, 2016 11:19 pm

8- السقوط المؤلم

وقفت أليكس تحدق الى أمها برهبة وقد عجزت عن أستيعاب ما تراه, وعت بشكل ضبابي أن تشيس يقف بينهما وأن أمها لم تلحظ مجيئها , ثم تقدم منها تشيس بيد ممدودة وقال مبتسما:
"كنت على وشك الصعود اليك لأسألك سبب تأخرك".
تجاهلت يده ولم تبادله الأأبتسام , شعرت بذهول كبير يمنعها من الرد على أية مجاملة وخاصة في هذا الظرف , سألته بأرتياب :
" ماذا تفعل أمي هنا؟".
أقترب منها أمثر وكأنه يرغب في أبقاء الأمر سرا بينهما , أحتواها بنظرة سريعة وبرقت عيناه غضبا من نبرتها القاسية , كذلك أنطفأت البسمة على فمه الجذاب وأرتسم ما بين حاجبيه السوداوين خط عمودي تناسب مع تقلص وجهه الأسمر , تراجعت غريزيا الى الوراء فقال موضحا بأختصار وسخرية:
" جاءت بناء على دعوة مني , أما والدك فسوف ينضم الينا في الأسبوع المقبل , كلاهما لم تتح له الفرصة من قبل لزيارة مزرعة كهذه , وأبوك متلهف الى المجيء بشكل خاص".
بالطبع سيهتم أبوها بحكم مهنته لكن هذا خارج عن الموضوع! أشتد شحوب وجهها وهي تستوضحه برهبة:
" كن صريحا معي يا تشيس... ليس من عادتك أن تدعو أناسا غرباء لزيارة المزرعة كي تعرفهم الى المناطق النائية من أوستراليا , لديك سبب آخر لدعوة أبوي , أليس كذلك؟".
" قد تكونين أنت السبب , ألم تراودك هذه الخاطرة؟".
أحست نفسها محشورة في زاوية , لم تفهم قصده تماما فقالت وهي تضغط بيدها على رأسها المصدوع :
" جئت بأمي الى كولابرا كي تجعلني أتزوجك بالقوة".
شحب وجهه حتى حاكى وجهها تقريبا وهتف بخشونة :
" بحق السماء يا أليكس ! لا أدري أية ظنون سوداء تساورك عني أنما لا يجوز أن نتجادل هنا".
أستدارت أمها فلمحت أبنتها الشابة و أبتسمت بسحر ومدت لها يديها هاتفة:
" أليكس حبيبتي , تعالي وقبليني , ألم تدهشك رؤيتي ؟ أخبرت السيد مارشال أنك ستندهشين لكنه قال أنه وعدك بمفاجأة ".
" وقد فعل ,كيف حالك يا أمي؟".
بدا على محياها أذعان غريب حين تقدمت من أمها ببطء وأستسلمت لعناقها الودود , هكذا أمها دائما , تحب المواقف المسرحية وتستمتع بالتظاهرات العاطفية أمام الناس.
قبلتها أنيد لاثام لى خدها وأجابت وهي تسوي شعرها المصفف بأتقان:
" في أفضل حال يا حبيبتي".
في سن الخمسين تبدو أنيد لاثام أصغر من عمرها بعشر سنوات لفرط محافظتها على بشرتها ولياقتها البدنية , دائما تلبس أجمل الثياب وأكثرها أناقة , تبتاعها من مالها الخاص كما يحلو لها أن تكرر على مسمع زوجها المسكين , ودائما شعرها مصفف بأناقة فائقة , حتى العمة هارييت أعجبت بمظهرها الفخم , وعلمت أليكس في ما بعد أن أمها قد ورثت ثروة أخرى عن أحد أقربائها النافذين , أجل , أن أنيد لاثام تعرف كيف تستفيد من مالها بحيث تظهر للعيان بمظهر المرأة العريقة امحند والجمال , هزت رأسها بحزن وقالت تعاتب أليكس :
" أنت طفلة ماكرة بالفعل! لماذا لم تخبريني عن هذا المكان الرائع؟ لم نتلق منك سوى رسالة واحدة طمأنتنا فيها عن وصولك , لكنك لم تذكري العنوان!".
أجابتها بطريقة مراوغة :
" ما.... ما حسبت وقتها أنني سأمكث هنا طويلا".
عادت أنيد تبتسم وتقول بأشراق:
" لا عليك, فالسيد مارشال شرح لنا كل شيء , كان غاية في اللطف وكرم الأأخلاق أذ قام بكل الترتيبات وجاء بي في الطائرة الى هنا".
ثم أستدارت الى العمة هارييت وأضافت:
" لساني عاجز عن التعبير عن أعجابي الشديد".
كيف تقدر أمها أن تمثل بهذه البراعة؟ أن تصرفها المغلف بالحلاوة يشعرها بالغثيان أحيانا! لم تكن لتصدق بأن الآنسة مارشال يمكن أن تنخدع بمظهر أمها , أنما ها هي تنظر الى أنيد بأعجاب وسرور وكأنها تتطلع بشوق الى الأسابيع القليلة المقبلة , تقبلت مديم أنيد لكولابرا كتحصيل حاصل وأمالت رأسها الشائب قائلة:
" معظم الناس يدهشون لروعة المكان في زيارتهم الأولى له".
ثم سألت أليكس بلهجة معاتبة:
" هل لك أن تسكبي الشاي يا عزيزتي قبل أن يبرد؟ كنا ننتظر قدوك ".
أمتثلت أليكس بتردد , وجلست على الأريكة الصغيرة القريبة من صينية الشاي , أجفلت حين جلس تشيس الى جانبها لكنها لم تنظر اليه .
أعتذرت للعمة هارييت عن تأخرها وقدمت الشاي للسيدتين ثم لتشيس , أراجفت يداها قليلا حين تلامست أصابعهما لكنها ظلت مشيحة عنه بالرغم من بصره المركز عليها , خلال تناول الشاي لم تنتبه السيدتان الى صمتها في غمرة حديثهما المتواصل ولما أنتهوا منه طلبت اليها العمة هارييت أن تأخذ أمها الى غرفتها ثم قالت لأنيد:
" لا شك أنك تودين الأستراحة قبل العشاء يا سيدة لاثام , أرجو أن تعجبك الغرفة , وأذا أحتجت الى أي شيء فلا تتردي في طلبه"
نهضت أليكس لترافق أمها ولم تنظر بتاتا ناحية تشيس , وفي طريقهما الى الطابق العلوي أزداد أعجاب أنيد بالبيت أثر كل خطوة , ولما دخلا الغرفة المخصصة لها قالت لأبنتها وعيناها تشعان فرحا:
" لا أكاد أصدق ! أوه! أغلقي الباب يا حبيبتي وأجلسي معي قليلا , لم أحلم أبدا بأن تقعي على كنز كهذا".
ألتزمت أليكس مكانها وقالت بصعوبة بالغة:
" عما تتكلمين يا أمي؟ لقد جئت هنا لعمل معين وسأرجع الى ملبورن في أسرع وقت ممكن, ربما في خلال أيام".
تظاهرت أنيد بالطرش وقالت ببسمة خفيفة:
" السيد مارشال ساحر الشخصية , رجل رائع بكل معنى الكلمة ! عندما زارنا في البيتوعرفنا بنفسه أعجبنا به , أنا وأبوك, أيما أعجاب , ويقول والدك أنه يملك ملايين الجنيهات على الأرجح".
" فليهنأ بها ويتمتع..".
وهنا فطنت أنيد الى جمود أليكس وفتورها فقطبت فجأة وقالت:
" لو كنت مكانك لكففت عن التفوه بتعليقات كهذه , فبالرغم من تظاهرك بأحتقار المال , فهو الذي يتكلم".
" سأصدقك ما دمت تكلمينه!".
" أليكس!".
فصرخت تسألها:
" ماذا عن دون فيشر؟".
لقد أستشعرت مناورات أمها ففضلت أن تبادرها الهجوم , أجابت أنيد متظاهرة بالنسيان:
" دون فيشر؟ أوه , سمعت شخصا يقول أنه سافر الى مكان ما , لم أره منذ مدة".
" وماذا عن صديقتك الأنكليزية ؟".
" منونيكا؟ ذهبت تزور أقرباء لها في بيرث , لكنني أريد التحدث معك بشأن تشيس".
" سنتحدث فيما بعد يا أمي , أنا مشغولة الآن وأستأذنك بالأنصراف".
هربت من الغرفة تقريبا وهي تستعر من القرف , كان بودها أن تذهب في نزهة طويلة أنما خشيت أن تلتقي بتشيس , يجب أن تهدىء أعصابها الثائرة قبل أن تواجهه فالهدوء الكامل سلاحها الوحيد أمامه , هرولت متوجهة الى غرفتها وقد قررت أن تستحم بسرعة ثم تنزل باكرا لتساعد السيدة ياونغ في المطبخ , قد يمتعض تشيس من تصرفها لكن مشاعره لا تعنيها , فتحت باب غرفتها ففوجئت بوجوده فيها , ألا يكفيها ما قاست من مفاجآت رهيبة؟ كان مستلقيا على السرير وكأنه لديه كل الحق في أحتلال غرفتها ,أرتجفت أليكس أذ تساءلت عما كانت ستقوله أمها لو أنها رأته بدورها , حدقت اليه قائلة:
" هل جننت؟".
أنزل ساقيه الى الأرض بتكاسل ثم جلس بأسترخاء على حافة السرير , ركز بصره عليها وأجابها بفتور:
" لا , لست مجنونا , أنما قد أجن قريبا أن لم تكفي عن التصرف كطفلة مدللة , أما الجنون الذي أتحدث عنه فهو الغضب وليس فقدان العقل".
" لن أسمح لك بالبقاء أكثر من ثانيتين فقط, ماذا تريد؟".
وفجأة أطل من عينيه وعيد رهيب جعلها تندم على تهجمها عليه , سلّط بصره المتوقد على وجهها الساكن وقال:
" يجب أن نتحدث".
أرتجفت داخليا أنما حافظت على مظهرها الهادىء وهي تجيب :
" يبدو أنك دخلت مرحلة النفيذ! لم جئت بأمي الى هنا؟ أجبني بحرية فلا أحد يسمعنا الآن!".
" ولم لا أدعوها ؟ أن نواياي شريفة وأنت تتجاهلين هذه الحقيقة بأستمرار , فكرت أن الوقت قد حان لأتعرف الى أهلك ولأدعوهم لزيارتي , من الطبيعي أن يقلق أبواك عليك , ورأيت أنه من واجبي تطمينهما وتعريفهما الى صهرهما المستقبلي".
غاض الدم من وجهها فجأة وقالت بصوت واهن مذعور:
" أنا لم أوافق على الزواج منك!".
" وأنا لم أقل لهما شيئا يحملهما على الأعتقاد بأنك وافقت".
خفق قلبها أذ تذكرت قرارها السابق بأن توافق على الزواج لدى عودته , بيد أن وصول أمها المفاجى حال دوت تورطها , قد لا يعرف تشيس هذه الحقيقة لكنه أفسد كل شي بجلب أمها الى كولابرا , المشكلة الآن عدم أستطاعتها أن تشرح ذلك بطريقة معقولة , لقد أصيبت بصدمة حين ظنت أن دافينا هي التي ستأتي معه وكذلك صدمت برؤية أمها , أتسعت عيناها وقالت بيأس:
" لا أدري تفاصيل ما يجري أنما أعتقد أنك دعوت أمي لتكون حليفتك في أقناعي , أنا لست غبية الى درجة تعجزني عن أدراك هذا".
رأت حلقة بيضاء غريبة تصبغ جوانب فمه ألا أنه رد بصوت ساخر :
" ليتك تحبينني بمقدار نصف حبك للقفز الى الأستنتاجات الوهمية , أعتقد يا أليكس أنك لم تفهمي أمك يوما على حقيقتها , صحيح أنها قوية الشكيمة لكنها خلقت بهذه الطبيعة ولا تقصد التسلط عليك كما تتوهمين بل ترغب من كل قلبها في أن تومن لك الأستقرار بالطريقة التي تمليها عليها طبيعتها , أنها تؤمن بضرورة التنفيذ وقد تكون من هذه الناحية أفضل من اللواتي يضيعن الوقت في الحيرة والتفكير بدون أن ينجزن شيئا , ومتى تزوجنا لن تلبث أن توظف نشاطها التنظيمي في مشروع آخر وتصبحين أنت في مأمن منها".
" شرط أن أتزوجك أنت!".
" أتعتبرين ذلك أسوأ من العيش معها؟".
لم تجد ما تقوله فلاذت بالصمت , صراحته مخيفة ألا أنها لا تخلو من هدف معين , بدا كما لو أنه يحاول أفهامها شيئا , لكن أفكارها ومشاعرها المتخابطة تحول دون فهمها لهذا الهدف , لقد تكلم كثيرا , أنما شعرت في الوقت نفسه أنه تعمد حذف الأشياء المهمة .
وهنا تقدم منها ليقبض على كتفيها بقسوة وليقول أيضا بقسوة :
" هناك أشياء كثيرة يا أليكس عليك أن تقرريها بنفسك وألا عجزت في المستقبل عن ألتزام أي قرار تتخذينه , قد تعتقدين خطأ , أنني وأمك فرضنا أرادتنا عليك , الأمر الذي سيشقينا معا".
" يا لتلك السعادة التي سأجنيها وكلاكما يفرض علي سلطته!".
رقت نظرته فجأة وقال:
" أوه , لا تبالغي يا طفلتي , فأنا لست وحشا كما تتوهمين و سأضطر بالطبع الى أيقاف أشغالي للأنصراف الى أقناعك , وأقترح أن ننسى أمر الزواج في الوقت الحاضر".
" قلت ذلك قبلا لكنك تعود دائما الى الموضوع".
فأجابها واجما:
"أذن سأنتظر حتى تفتحيه بنفسك".
قالت بتهور:
" لقد أرحتني , سأتمكن الآن من نسيانه".
أكفهر وجهه مجيبا:
" لن أعد بالتوقف عن تذكيرك , وكما قلت لك سابقا , قد أجد طريقة لا تحوجني الى الكلام , أذ هناك وسائل أكثر فعالية من الكلمات".
" هل.... هل تنوي المساومة عليّ بشكل ما؟".
قلص قبضته على كتفيها المرتجفتين وهتف غاضبا:
" هذه عقلية قديمة الطراز".
" وأنا فتاة قديمة الطراز , لا تنسى ذلك".
" أنت وقحة أيضا بالرغم من تربية أمك".
" ذلك لا يجيبني على سؤالي".
" سنرى".
" أريدك يا أليكس , وأعترف بأنني لا أبغي الأنتظار , أريدك زوجة في بيتي كي أعيش معك حياتي أما أذا أفقدتني صبري وأعصابي فقد تدفعينني في يوم ما الى أن أمتلكك بأي شكل.... لماذا يخفق قلبك كلما لمستك؟ لم أعرف في حياتي تجاوبا سريعا كهذا".
تجاهلت دفق حبها له وهتفت:
" لأنني أكرهك!".
" لا أصدق ذلك , عيناك غائرتان من شدة الأرهاق , أنصحك بالأستراحة قبل العشا".
" هذا آخر شي........".
فقاطعها بحزم عنيد:
" أفعلي ما بدا لك , لست مضطرا الى أضاعة وقتي وعطفي على أناس يرفضونها".
تمنت لو ينصرف أ أنها أستوقفته بقولها:
" علمت من بعض المصادر الموثوقة أنك تقضي معظم أوقاتك بعيدا عن كولابرا".
" صحيح , قلما مكثت طويلا , لكنك دخلت الآن حياتي وبالتالي أجدني مضطرا الى مراعاتك ومراعاة ميولي الخاصة , من اليوم فصاعدا سأبقى هنا معظم أيام السنة , سنة بعد سنة".
" لن تجد تسليات أخرى في هذه المناطق النائية".
أجابها بفتور :
" أن كنت تقصدين بذلك نساء أخريات فلن أحتاجهن , أذا كنت معي".
" هناك أشيا كثيرة تعتبرها تحصل حاصل!".
" لقد أستعملت كلمة أذا".
" تلك لياقة كبيرة من جانبك!".
رفعت وجهها الناعم بتحد فيما أخذت تصارع رغبة داخلية في الألتصاق به وقد تاقت فجأة الى عناقه.... أربعة أيام من الفراق.... ما كان أقساها وأطولها! أنتابها خوف مفاجىء فسألته:
" كم من الوقت ستمهلني؟".
" حتى لا تعود لدي طاقة على الأحتمال".
أستدار يبتعد عنها بصلف وبرود وبدون أن يفضح مشاعره سوى تورد خفيف برز تحت جلد فكه المتقلص.
" سأذهب الآن لأتفقد المواشي , قد أراك في موعد العشاء".
في الأيام التالية حافظ تشيس على وعده فتركها وشأنها , كان يقضي معظم الوقت مع رجاله , يجمعون الماشية أو يعملون في المناطق المحيطة بالبيت , كانت تلمحه من وقت لآخر في ثياب العمل , تحاشت أليكس طرح أية أسئلة أنما لم تستطع منع نفسها من سماع الأسئلة التي كانت أمها تطرحها على العمة هارييت وتجيب عليها هذه الأخيرة بسرور لكونها لا تمل أبدا التحدث عن أبن أخيها الغالي , هذه المعلومات التي عكفت أمها على جمعها من العجوز أحدثت لديها أفضل الأنطباعات أنما أرجفت أليكس وخوّفتها من مجرد أن تحاول تحديد مشاعرها أتجاه سيد البيت! خير لها ألا تفعل .... فهي ليست شجاعة ولا جدوى من التظاهر بعكس ذلك , أجل , خير لها أن تستمر في حالى اللامبالاة على أن تعرض نفسها لآلآم جديدة.
أما في المساء فكان يحافظ على موعد العشاء ويقوم بدور المضيف على أكمل وجه ويبدو مميز الشخصية في بزات داكنة أنيقة لا تشبه البتة الملابس المغبرة التي يرتديها أثناء العمل , كان أندرو بليك ينضم اليهم أحيانا مع شابين آخرين كانا يقومان بدورة تدريبية في كولابرا كي يتمكنا من أدارة مزارعهما الخاصة في ما بعد ,أجل , الأمسيات بهيجة جدا , ولا يمكنها الأنكار أن أمها تساهم الى حد كبير في أشاعة المرح فيها , فهي أجتماعية بطبعها وجميلة المظهر , وقد أدركت أليكس فجأة أن أنيد لا تكبر تشيس كثيرا في السن , وفي أحدى المرات رأتهما يضحكان معا فأتضح لها أن أمها تقارب جيله الى حد ما , وأجفلها آنذاك أن تشعر بغيرة حارقة ,كم هو غريب أن تخض أمرأة مسيطرة مثل أنيد الى سحر بسيط يسلطه عليها رجل خبير , فقد أستطاع تشيس أن يفعل ذلك بسهولة مذهلة!
أحيانا كان يأخذها وأمها في أوقات فراغه القليلة و للتنزه على ظهور الجياد , أنيد كانت فارسة ماهرة الأمر الذي لقي أستحسانا لدى تشيس , كانا يسبقانها قليلا عادة فتلحق بهما على مقربة , لم تنزعج من هذا الأمر كثيرا أذ أتاح لها مرارا أن تراقب تشيس بحري وهذا ما صارت تركز عليه أكثر من أي شيء آخر , أن رؤيته أصبحت جزءا ضروريا من حياتها مع أنها تفضل الموت على أن تدعه يعلم ذلك! في أحدى النزهات , فرحت أليكس تقريبا حين أعلنت أمها أنها بالرغم من أستمتاعها بالزيارة ألا أن كولابرا لا تروقها كمكان سكن دائم بسبب جوها الموحش وأنعزالها.
وقبل أن يتلفظ تشيس بأي جواب أنبرت أليكس تقول مدافعة:
" أنا لم أستشعر أية وحشة يا أمي فالحركة والعمل لا يتوقفان مطلقا , أنها مكان رائع بالفعل وأنا أحبها!".
ثم سرعان ما ندمت على كلامها لحظة رأت نظرة الرضى العميقة التي أرتسمت على وجه تشيس , شعرت بحاجتها الى الهرب ككل مرة يسلط بصره عليها , فحثت مهرتها الصغيرة على األأسراع ألا أن أبتسامته الساخرة لاحقتها فأعجزتها عن الهرب الكامل!
بعد خمسة أيام , وأثناء تناول
الشاي أعلن تشيس أنه ذاهب ال
ى ماونت آيزا , فقالت عمته فورا:
" أذن يجب أن تأخذ أليكس معك فهي ودت الذهاب أثناء وجودك في سيدني , وحرمت المشوار لأنشغال الجميع في أعمالهم".
" كان ذلك من سوء حظها! أما زلت تودين التسوق يا أليكس؟".
لقد أدرك لماذا أبتغت الذهاب وقتئذ فألتهبت وجنتاها خزيا , ما عاد لديها الآن أي شك في أنه أعطى أوامر مشددة بعدم السماح لها بمغادرة المزرعة! قررت أن تغيظه بتحديها فأجابته مبتسمة:
" أجل , ما زلت بحاجة ال
ى التسوق".
من عادته أن يقوم بهذه الرحلات في أواخر النهار , سيكون على عجلة من أمره وأذا أزعجته رفقتها يكون أفضل! أن ذلك سيجعله يفكر مرتين , في المستقبل , قبل أن يعرض خدماته من باب المجاملة فحسب! قال بجفاف:
" يسرني أن ترافقيني , هيا , أركضي وأجلبي قبعتك لبينما أقول شيئا لهاتين السيدتين".
أمتثلت لطلبه بدون أن يخامرها شك في مقصده ,أنما لحظت أنه لم يطلب من أمها مرافقتهما , بالطبع , أنيد تكره السفر جوا وما كانت لتأتي في أي حال , وهنا تذكرت أليكس أن تشيس يعرف نفور أمها من الطائرات فخبت بهجتها قليلا وتباطأت في صعود الدرج , لماذا صار يهتم براحة أمها أكثر من أهتمامه براحتها هي؟ وما أن أقلع بالطائرة حتى قالت تعاتبه بطريقة غير مباشرة:
" لا موجب لأن تبذل كل هذه المحاولات كي تحظى بأعجاب أمي , أنها تحبك بما فيه الكفاية, أو بالأحرى تحب الأشياء التي تمثلها يا تشيس".
" قد أخنقك في يوم قريب!".
فردت بلا أكتراث:
" سأنتظر هذا اليوم بفرح".
" بل سأفعل ذلك الآن!".
تقبضت يداه على المقود وكأنه يشك في قدرته على التنفيذ فهتفت ساخرة:
" أتريد تخويفي؟ لقد رافقتك في الطائرة قبلا".
" أتظنينني سأعجز عن ذلك؟".
لم تأـبه لنبرة الوعيد في صوته أذ أحست بأطمئنان فائق الى وضعها الحالي , لن يستطيع فهل شيء وهو يقود طائرة , قد يبدو كقرصان لكنه رجل شهم في أعماقه ولن يقدم على أي شيء يلوث سمعتها , ران عليهما صمت متوتر ثم سألها:
" أنت مصرة على زيارة ماونت آيزا؟".
" ليس تماما , أنما لم تسأل؟".
" كنت أفكر أن آخذك الى ( أليس) من باب التغيير ".
" أتقصد أليس سبرينغز ؟ الينابيع؟".
" أجل , فأنت لم تريها ولا يمكنك الرحيل قبل أن تزوريها مرة على الأقل".
آلمتها كلماته الأخيرة لسبب ما , أحست كما لو أنه سدد اليها ضربة قاسية وقالت لتخفي وجعها :
" أليس الوقت متأخرا على الزيارة؟".
" لدينا وقت للذهاب والأياب و ولا داعي لأن نمكث فيها طويلا ".
" وماذا عن عملك في ماونت آيزا؟".
" يمكنني أنجازه في أليس".
" أذن لا مانع لدي".
أحست بشيء من اللهفة فمعظم الناس في العالم قد سمعوا بأليس سبرينغز ومن دواعي الأستغراب أن يختلف بعض الأوستراليين عن زيارتها , غّيّر تشيس أتجاه القيادة بيسر ومهارة , ثم قال:
"لن نجد وقتا للتجوال في الأماكن الشهيرة كصخرة أيرز أنما بوسعنا أن نطير فوقها , سآخذك اليها في مرة أخرى".
ما به ؟ قبل لحظة تحدث عن رحيلها والآن يتكلم وكأنها ستبقى في كولابرا! أسترقت نظرة قلقة الى جانب وجهه الخشن ثم حاولت أن تسترخي وتراقب براعته الهادئة في قيادة الطائرة ,ليتها تدري بما يفكر! كيف لها أن تشعر بالأمان ما دامت تجهل ما يدور في رأسه؟ لقد عرفها الى أشياء كثيرة عن نفسها أنما ما يزال هو لغزا بالنسبة اليها.
هدير المحركات أضافة الى حرارة الشمس بعثا فيها النعاس , السماء فوقهما زرقاء والأرض تحتهما حمراء والمسافة بينهما هائلة , لا شيء يمنعها من النوم والأحلام , تكورت بأسترخاء ثم أنسدلت أهدابها الكثة على وجنتيها وغفت , أستيقظت مرتعبة على صوت تشيس وهو يقول بأيجاز:
" أليكس! أفيقي ,سوف نهبط".
" نهبط؟".
لم تنتبه للوهلة أين هي , لكنها لم تتذعر لفرط ثقتها بمهارة تشيس , كانت المحركات ترجرج وكأن أحدا ينتعها , هذا أمر يحصل أثناء الطيران ولا تلبث المحركات أن تعود الى طبيعتها , لكن وجوم تشيس يثير القلق ,سألته وعيناها تتسعان خوفا:
" ما الخطب؟".
" ليتني أعلم! لا تفكي حزام الأمان ولا تتكلمي , دعيني أتصرف".
تمنت لو تستعير منه بعض الهدوء , تأكدت من حزام الأمان حول خصرها ثم لم تستطع السكوت فقالت بعصبية:
" أليست لديك أية فكرة عن سبب العطل؟".
" أظنه الوقود , أبرة المقياس توقفت عن الحركة , هذه طائرة وليست سيارة لنهبط منها ونكشف على المحرك ".
عادت المحركات الى الحياة فأرتفعت معنوياتها معها وسألته:
" هل سيتكرر هذا؟".
أجابها مغمغما:
" أرجو ألا يتكرر".
كان يركز بعمق , وفجأة توقفت المحركات كليا وهما يهبطان صوب الأرض , فصرخ قائلا:
" أفعلي ما قلته لك! أنني أحاول الأعلام لاسلكيا عن موقعنا والوقت يغدرنا".
فزعقت برعب:
" تشيس!".
بدأت الطائرة تهبط بسرعة مخيفة في أتجاه الأرض الحمراء وسرعان ما خجلت من نفسها فهمست أعتذارا لم يسمعه على الأرجح , الهواء يندفع بجنون فيجعل جناحي الطائرة يحدثان أنينا عاليا وغريبا بسبب المحركات . أنه صوت مخيف يملأ قلبها رعبا , وصاح بها تشيس ثانية:
" أياك أن تفكي حزام الأمان حين نصل الأرض لئلا تنقذفي من الطائرة , أتركيه حتى تتوقف ثم أخرجي بسرعة , مفهوم؟".
" وماذا عنك أنت؟".
أنها خائفة عليه وليس على نفسها , ليته يعلم ذلك , ألتفت اليها بسرعة وقرأت في عينيه أعجابا بتماسكها , أجابها مطمئنا :
" سأكون خلفك مباشرة , أنت شجاعة يا ليكس".
المنطقة تحتهما بدت مسطحة , ثم رأت أشجار وأخاديد صخرية ونتوءات قد تتحطم عليها الطائرات بسهولة ودت لو تسأله عن مكانهما ! هل ما يزالان فوق أراضي كولابرا؟ لكنها أحجمت عن أزعاجه في هذا الظفرف العصيب , بدا هادئا ومدركا لما يفعل أنما كان لكنه أن يستغل كل تيار هوائي رافع ليصل بالطائرة الى رقعة الأرض المسطحة.
ساعده يا ألهي! صلت بصمت وعيناه تتعلقان به , قد يموتان معا عما قليل , وكم تتمنى أن تعلمه مدى حبها له , لكنها عثا تبحث عن صوتها الضائع وقد بدأت أنفاسها تنسحب بسرعة من جسمها المتقلص , أرتطمت الطائرة برقعة أرض مسطحة مكسوة بالحصى ثم قفزت وأستقرت على جانب أكمة صغيرة مغطاة بشجيرات خفيضة بعدما ترنحت بأرتاج عنيف أشعر أليكس أن كل عظمة في جسمها قد أنزاحت عن مكانها , تحركت يداها آليا لتنفذ تعليمات تشيس فما كان منه ألا أن سارع الى فك حزامها ثم قذفها تقريبا خارج الطارة المحطمة وقفز وراءها بسرعة البرق وهو يصرخ بعنف :
" أركضي ما وسعك الركض!".
نهضت تقف متعثرة فيما تصاعد دخان الوقود بكثافة في الهواء فلم تكن بحاجة الى أن ينذرها من خطر الحريق , قبض على ذراعها وركض يجرها معه هاربا , وما أن أبتعدا بعض المسافة حتى أنفجرت الطائرة وسقطا أرضا , بفعل الحرارة واللهب , وبعد لحظات أوقفها تشيس على قدميها وقال:
" هيا , ستأكلنا النار أن لم نبتعد بسرعة".
وصلا جدولا صغيرا تظلله مجموعة أشجار , فأنطرحت أليكس على ضفة الجدول الضحل وهي تشعر بآثار الحرارة الرهيبة , ودت لو تغطس جسمها في الماء لكنها أحست بأعياء وغثيان يحولان دون ذلك , تمعن تشيس في وجهها ونصحها بالأسترخاء , أزاح شعرها عن محياها الساخن وتحسس أطرافها وبدنها ليتأكد من عدم وجود كسور أو رضوض , أتضح له أن الخوف هو السبب فقال بهدوء:
" أحمدي الله على أننا خرجنا سالمين".
" أهذا ما تظنه؟".
لم يرقها موقفه الجامد فهي بحاجة الى عطف لا الى تعليقات كهذه , لماذا تحس دوارا وغثيانا ما دامت لم تصب بأذى؟ هل أصيب تشيس بضرر ما؟ خجلت من أنانيتها فقفز القلق الى عينيها وسألته بأهتمام:
" هل أنت بخير؟".
" أجل , لكن الحادثة هزت أعصابنا , سأعطيك حبة مهدئة لتشعري بالتحسن".
" وأنت ؟ ألن تتناول حبة؟".
أستمر يتفح وجهها ليرى مدى تأثير الصدمة عليها , أجابها بأختصار:
" سأعيش وأتعلم... هذه قاعدة ذهبية نتبعها هنا يا حبيبتي".
كلمتاه الأخيرتان هزتا أعماقها أكثر مما هزهما تحطم الطائرة , أجتاح كيانها مزيج من الأثارة والتوتر فأصطبغت وجنتاها الشاحبتان بحمرة قانية , قال متأملا وجهها بقلق:
"أصبحت مفرطة العاطفة , حاولي أن تسترخي".
تلاطمت الأفكار في رأسها ثم أستطاعت أن تطرح عليه سؤالا وجيها:
"هل سيهتدي أحد الى مكاننا؟".
" لقد أبلغت عنه باللاسلكي لكن وصول فرقة الأنقاذ قد يستغرق وقتا , لا أتوقع أن تصل اليوم".
لم يقلقها كلامه أذ لا يسعها أن تفعل شيئا وعليها أن تخضع للأمر الواقع , أخرج حزمة جلدية فراقبته بتركيز وهو يفتحها , ولما سألته عنها أجابها:
" أنها نوع من صندوق الأسعافات , بأمكانها أن تنقذ أرواحا".
" ما سبب العطل يا تشيس؟".
ألقى نظرة سريعة على الحطام المستعر بعيدا وقال:
" من الصعب معرفته وخاصة عندما تحترق الطائرة برمتها".
بدا عازفا عن قول المزيد فلم تحد عليه , لقد أعطاها تفسيرا ملائما ولا يمكنها أن تجيب نفسها لجهلها بأمور الطائرات الصغيرة والكبيرة على السواء , أبتلعت الدواء دونما أعتراض كذلك لم تعترض حين أحاط كتفيها بذراعه ليساعدها على الجلوس , أبتلعت معه غصة مؤلمة أذ راودتها رغبة سخيفة في البكاء على كتفه , ليتها تلتصق به وتدعه يمطر وجهها بالحنان ليزيدها ثقة وأطمئنانا و ربت على ظهرها بعطف أخوي ثم أفلتها , تنفست بعمق وسألته بشيء من األأضطراب:
" هل سنضطر الى قضاء الليل هنا؟".
" أظن ذلك , فليس من الحكمة أن نحاول الذهاب الى أي مكان سيرا على الأقدام , عليك بالصبر يا أليكس , أنها منطقة شاسعة أنما لا بد في النهاية أن يهتدي أحد الى مكاننا ".
وهنا لسعتها خاطرة مفاجئة جعلت قلبها يخفق بجنون بفعل صدمة جديدة , فأنفجرت تقول بتهور:
" لقد تعمدت أسقاط الطائرة , أليس كذلك؟ تظن الآن أن فعلتك هذه ستضطرني الى الزواج منك!".
تقلص وجهه بغضب ناري أمتد الى عينيه السوداوين وأنثنت أصابعه وكأنه يود أن يعتصر عنقها النحيل و هب واقفا على قدميه لفرط حنقه ,وقال:
" لقد فقدت صوابك يا أليكس! أنها آثار الصدمة على الأرجح , أنصحك بالصمت لبينما تهدأ أعصابك".
" أنا لا أشكو من شيء مع أنه كان من المحتمل أن أقتل!".
" وتظنين أنني تقصدت تعريض حياتك للخطر؟".
" ولم لا؟ ألم تقل أنك ستجد طريقة لتساوم بها عليّ؟ ثم أنك طيار بارع وكان بوسعك أن تتفادى حصول حادثة كهذه!".
قال بصوت بارد ثلج أطرافها :
" هيا , أفرغي جعبتك , من العار أن تتوقفي عند هذا الحد!".
" ليس لدي ما أضيفه".
" لكن أنا لدي ما أقوله يا آنسة! وتعتقدين حقا أنني كنت أجازف بحياتي لأتزوج فتاة غبية على غرارك؟".
" لم.... لم يخطر لي أبدا.... أنك كنت تجازف بحياتك".
" يا ألهي! هل كنت أذن أقوم بألعاب بلهوانية لأسليك يا أليكس؟".
بدأت ترتجف فتمالك نفسه بجهد ملحوظ وأردف:
" كل من يخرج سالما من طائرة محطمة لا يفكر ألا بشكر ربه على السلامة , وكل من يتعرض لحادثة كهذه يصاب بصدمة معينة , أنصحك بأن تنسي ما أتهمتني به لتوك, أو على الأقل أن لا تذكريه مرة أخرى ,لأنك ستندمين عليه حالما تثوين الى رشدك ".


widad
مديرة الموقع

تاريخ التسجيل : 29/07/2016

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر  Empty رد: العذاب أذا أبتسم-مارغريت بارغيتر

مُساهمة من طرف widad في السبت أغسطس 06, 2016 11:21 pm

9- لحظات الغرق

أشاحت أليكس بعيدا عنه , كرامتها تحثها على رفض نصيحته ألا أنها لا تجرؤ على ذلك , لدها شك رهيب في أنها تصرفت بحمق شديد وأنه لن يغفر لها أبدا , أنها تحتاج الى وقت لتفكر في حل لمشكلتها , ويبدو من وجه تشيس المكفهر أنها ستجد وقتا كثيرا! ستقضي ساعات طويلة بمفردها لتراجع أفعالها الحمقاء! همست بأنهزام كلي:
" آسفة".
" أنسي الموضوع".
لم تلحظ كيف نظر الى دموعها المنسكبة على جانب وجهها الفاتن , لم يحاول مواساتها , ربما لأنه لم ينس بعد ,الكلمات القاسية التي تبادلاها , أو لأنه يعلم كما الجميع أن الدموع علاج ناجح للحزن
, أبتعد عنها متنهدا بعمق وبدأ يجمع عيدانا وأوراقا جافة ليشعل بها نارا , أنما أوحى فمه المتقلص بأن ذهنه كان شاردا في مكان ما , بعد بضع دقائق مسحت أليكس دموعها وأخذت تراقبه , أدهشتها طريقته السريعة والمنظمة في العمل , وأستطاع في وقت قصير أن يقدم لها الشاي فعليا في ركوة , كان فيه نكهة خاصة فشربته بأمتنان , أنعشها الشاي وهدأ أعصابها , ومع ذلك وجدت صعوبة في النظر اليه , لم ترفع رأسها صوبه وأحتارت في أيجاد طريقة تمكنها من ردم هوة الصمت التي أتسعت بينهما , عليها أن تبادره الحديث أنما لا تعرف من أين تبدأ , فطن تشيس الى حيرتها فقدم لها نصف لوح من الشوكولا وقال بدماثة:
" سأرى أن كنت أستطيع أيجاد سمك في الجدول لوجبة العشاء ".
أملت من لهجته المتغيرة أن يكون سامحها فرفعت بصرها اليه سائلة :
" وهل يوجد فيه سمك؟".
" أرجو أن نتوفق , أبقي في مكانك ريثما أعود , لن أغيب طويلا وأياك أن تتحركي".
لما رجع تشيس غمرها أرتياح كبير أخفته بسؤال مهذب:
" هل رأيت سمكا؟".
لوى شفتيه فظهرت عليهما شبه أبتسامة :
" أجل , تبعت الجدول فأكتشفت أن مياهه أعمق هناك مما هي هنا , ويمكنك الأأستحمام فيها أن أردت".
كانت تشعر بحرارة وتعرق فستانها الصيفي الرقيق يلتصق بجلدها , الأستحمام فكرة رائعة , أشرق وجهها لحظة ثم قالت بوجوم:
" ليس لدينا منشفة , ولا ثياب أخرى نظيفة".
بدا مرتاحا لتجاوبها وقال ضاحكا:
ط لدي منشفة صغيرة في حقيبة الأسعاف يمكنك الأفادة منها أن شئت , أما الثياب النظيفة فمن المستحيل أيجادها".
" هل أسبقك؟".
" سنذهب ونستحم معا".
أذن هذا سبب ضحكه .... هتفت قائلة:
" أوه! كلا وألف كلا , أذا....".
فقاطعها بسخرية ليضع حدا للجدال:
" أصغي الي يا أليكس , هذا ليس وقت التظاهر بالخجل , لقد مرت لتوك بتجربة مرعبة ولن أدعك تعرضين نفسك لأخطار جديدة , أما أن أرافقك أو تبقي هنا , أختاري واحدا من الأمرين , أن ما ترتدينه تحت فستانك سيكون بمثابة ثوب سباحة"
سبحت أليكس بملابسها الداخلية وأنعشها الماء كثيرا , أما تشيس فجلس على ضفة الجدول مديرا لها ظهره ليبر بوعده الذي قطعه لها بأمتعاض , لكن وجوده القريب أشعرها بتوتر غريب وأستعجلت كي يتاح له الأستحمام قبل حلول الظلام , عليه أيضا أن يصطاد سمكا ولا تدري كيف سيتمكن من أنجاز كل ذلك.
بعد ساعة من الزمن , وفيما كانت تجلس تحت الأشجار تراقب طهوه البارع لعشائهما , بدأت تلوم نفسها على شكوكها السابقة فيه , فهو يبدو قادرا على أنجاز أي مهمة يوطن عزمه على تنفيذها , لقد لف السمك في أوراق شجر ,وفي أنتظار شوائها على النار , أخذ يحدثها قائلا :
" الجدول يعج بالسمك , كذلك تزخر به بعض التجاويف المائية العميقة".
" لقد أصدته بسرعة فائقة".
" أستعملت خدعة تعلمتها وأنا صبي على يد أرومي عجوز , من سكان البلاد الأصليين , أنهم يأكلون السمك بكثرة عندما يتوفر لهم".
" سأهتم بأمر السمك أن شئت , فأنت متعب ولا ريب".
" عواطفك تتحول بسهولة من الكراهية الى الحب , ألا يضايقك ذلك؟".
آلمتها سخريته فقالت بحدة:
" وما دخل الحب والكره في الموضوع ؟ كنت أعرض القيام ببعض النشاط".
" لا تفرطي في الكرم فنشاطك الآن محدود , العشاء صار جاهزا في أي حال , وما عليك ألا أن تستمتعي به".
فعلت ذلك بالرغم من تعليقاته اللاذعة , أكلا السمك بأصابعهما وكان شهيا للغاية , خمدت النار نهائيا فحاولت التكلم بعفوية:
" لا نحتاج الى نور ما دمنا مرتاحين من غسيل الأطباق".
" ليس أمامنا سوى النوم فلن يجدنا أحد في الظلام".
" منذ الحادثة وأنا أصغي الى صوت طائرة في الجو".
" أوتحسبينني لم أفعل؟".
" آسفة , لا أتوقف عن التفكير في القلق الذي لا بد أننا نسببه لعمتك ولأواي , أنهم لا يعرفون أن كنا من الأحياء أو الأموات".
" ثقي أنهم لن يفقدوا أعصابهم فعمتي هارييت لا تفقد الأمل بسهولة وستتمكن من تهدئة أمك".
" وماذا سيظنون بنا؟".
" عدنا الى الأسطوانة أياها , هل وصلت في خيالك الى مشهد الأغتصاب؟".
" أنت تثير الكراهية! بالطبع لم أفكر في ذلك , كل ما في الأمر .... أنني لم أمر من قبل بظرف كهذا".
" أتظنين أنني مررت بظرف مماثل؟".
برقا عيناه بعنف مكتوم وغرز أصابعه في كتفيها ثم أشفق عليها فجأة وأرخى يديه قائلا:
" أليكس ,أصغي الي! سأقول لك شيئا قد يخفف قلقك , قبل أن ناغدر أخبرت أمك وعمتي أننا قد نعود اليهما بخبر مهم".
" خبر مهم؟".
" نبأ خطوبتنا".
" لا أصدق!".
هالها أفتراضه هذا فأردفت مختنقة:
" ما الذي حداك الى الأعتقاد بأنني سأوافق؟".
" حدست ذلك , لقد ضبطتك مرارا تنظرين اليّ بتوق ولهفة فقررت أن أتخذ القرار بالنيابة عنك , وأذا كان التردد لا يؤثر عليك بشيء فأنه يزلزل لي حياتي!".
" أنك تتخيل أشياء غير صحيحة !".
" قد تصدقينني أذا أريتك هذا!".
حدجها بأحتقار وهو يسحب من جيب سترته خاتما من البلاتين مزينا بفصين رائعين من الياقوت والماس وأردف قائلا:
"هذا الحجران بلون عينيك ولا يليقان بأية فتاة سواك".
أطلقت شهقة أعجاب وحدقت الى الخاتم الفريد الجمال , قدمه لها فخيل اليها أنه يمثل قيدا حديديا وسجنا خاليا من الحب قد لا تستطيع الهروب منه أبدا فهزت رأسها برفض صامت , ثم سمعته يقول بهدوء:
" أذا قبلته ستسعدين أناسا كثيرين وتوفرين على نفسك تعاسة كبيرة ".
" هذه ليست أسبابا كافية لعقد خطوبتي , هل تهمك مشاعري؟".
" أظن ذلك".
أجابت بمرارة:
" قد يظن البعض أننا نمارس الآن حبا شائنا لكن لن يصدق الجميع ذلك ".
تأمل الخاتم لفترة فأرغمها على الحذو حذوه , وعاد يقول:
" المذلة صعبة يا أليكس أنما عليك أن تفكري في مشاعر الآخرين , نصيحتي أن تفكري في الأمر مليا".
" لا حاجة للتفكير ".
" أذن أنت ترفضين لبس خاتمي؟".
قالت بأختصار كي لا تنفجر باكية :
" أجل , أحتفظ به لفتاة ستقدرك أكثر من تقديري لك ".
رد بخشونة :
" قد أعمل بنصيحتك , فدافعي الرئيسي في أي حال كان تزويد كولابرا بوريث".
تظاهرت بالتثاؤب فيما أحست قلبها يذوب حنينا , كانت على أستعداد لأن تعطيه أي شيء يطلبه أنما الآن ما عاد يربطهما أي شيء , ولا حتى اكلام , وهمست تسأله:
" أين سأنام ؟".
" هناك".
أعاد الخاتم الى جيبه بدون أن يظهر عليه أي أسى وقادها الى ملجأ خشن من الأغصان ولحاء الأشجار كانت قد رأته في وقت سابق يشيده فلم تجرؤ على أستيضاحه أمره , أما الآن فتراجعت الى خلف وقالت بعصبية:
" لا يمكنني النوم هنا!".
" بل سننام فيه معا".
" أنت أيضا؟ تشيس , هذا مستحيل.........".
قال وهو يجذبها الى الملجأ بعنف:
" آن لك أن تواجهي الحقائق يا فتاة , لقد أظهرت شجاعة لغاية الآن فلا تسودي صفحتك , قد تمضي أيام قبل أن يجدونا , لا أرجو ذلك أنما الأمر وارد ,ولذا أن نمنا في العراء بدون أي غطاء فقد يقتلنا برد الليل اشديد , حتى هذا الملجأ لا يحمينا من الصقيع".
" ألا يمكننا الأستعانة بالنار؟".
" أجل , لكن شرط أن تلفي نفسك بحرام وأن تسهري طوال الليل لأضرامها بأستمرار , للأسف , أنا لست بطل قفار يا أليكس وأفضل الحفاظ على حياتنا من خلال بقاءنا معا".
عجزت عن التفكير السوّي لفرط حيرتها , الظلام يلفهما وليس هناك أي ربح تبررالحفيف الغامض المنبعث من الأشجار القريبة , ومن بعيد سمعت جعير كلب بري زادها رعبا , مما جعلها توافق على مضض ,زحفت الى داخل الملجأ ثم تبعها تشيس وجثم الى جانبها , وبحركة واقعية تماما جذبها اليه وقال بأقتضاب:
" كفي عن المقاومة , لقد تجمد نصف جسمك لغاية الآن".
بدأت تتجمد بالفعل أنما بفعل الخوف أكثر من فعل البرد , ومشاعرها الخاصة تخيفها أكثر مما تخيفها مشاعر تشيس , فكلما أحست بقربه تجد صعوبة في السيطرة عليها فكيف في هذا الطرف الرهيب ؟ ألقت رأسها على كتفه فشعرت بقلبه يخفق بثقل تحت ذقنها , صعود صدره وهبوطه كفيلان بهدهدتها وحملها على النوم لكنهما يذكرانها بوجوده ولذا النوم مستحيل , مرر أصابعه في خصلات شعرها المتشابكة وأزاحها عن كتفها وعنقها , ثم راحت يداه ترسمان حركات دائرية عليها ليحملها على الأسترخاء , أحست بجسمها يضعف وبحلقها يجف فلم تستطع أن تتظاهر بالنوم , وكي تكسر الصمت المتزايد المتوتر سألته هامسة:
"هل السكان الأصليون ينامون في ملاجىء كهذه يا تشيس؟".
" بعضهم يفعل ذلك لغاية الآن".
" كيف ينامون في مكان ضيق كهذا؟".
" يتدبرون أمرهم كما نفعل الآن".
وسرعان ما ندمت على ذكر الموضوع أذ ألتصق بها أكثر فأردفت بسرعة وهي تحاول الأبتعاد عنه:
" لا حاجة لأن نلتصق الى هذا الحد".
" أجل , نحتاجه , وتأكدي أنني أشعر براحة أكبر مما تشعرين".
أستدار بقلق وأستلقى على ظهره فوقعت يدها على صدره الخشن , شعرت بشرارات كهربائية تمس أطراف أصابعها فشهقت على رغم منها , ولما بدأ ذعرها يزول بالتدريج أخذت تستكشف صدره بلمسات خفيفة , لم تجد في حركاتها أي دافع كل خواطرها الحميمة السابقة أندفعت الآن الى رأسها كسيل جارف , بل أستمرت تضغط على صدره وكأنها تختبر مدى تأثير لمساتها على قلبه الخافق بدوي مرعد , أعتقل يديها ليمنعها من الأستمرار فرفعت اليه بصرا مستغربا ثم صدمتها النظرة التي رأتها في عينيه , أيقظتها من غيبوبتها الحاضرة ألا أنها ألقتها في حال أسوأ.
أستشعر تشيس ما أعتراها من شلل حسي فهز رأسه بصمت , أمتزجت نظرته بأحتقار ذاتي وعذاب ثم غمغم متأوها :
" أوه يا أليكس!".
فتحت فمها لتعترض ثم طغت مشاعرها عليها فلم تستطع أن تفعل شيئا , أعتراها دوار أنتشر في أطرافها ثم رأته يرفع رأسه ويسألها بألحاح عنيف:
" أليكس , أصغي الي , هل توصلت الى قرار بصدد الزواج مني؟".
فشهقت قائلة في نصف وعي:
" أرجوك , لا تتكلم يا تشيس , لا أريدك أن تتكلم".
لا تريد سماع أي شيء من شأنه أن يدمر هذه الحميمية بينهما , فالكلمات ستفسد كل شيء ستعيدها الى الواقع البارد وهي تفضل البقاء في هذا العالم الساحر , حاولت أن تفهمه بصمت رأيها هذا فوضعت يدها على فمه ووجهه وتوسلته غير آبهة لكرامتها :
" عانقني يا حبيبي ".
أعتقل يدها وهتف مبعدا أياها عنه:
" بحق الرحمة يا أليكس!".
أتسعت عيناها محدقة اليه بأستغراب وهنا أدركت مدى معاناته للسيطرة على عواطفه , أستقام جالسا وأبتعد عنها قائلا:
" لم تكن فكرة حكيمة كما ظننت ".
لم يكن يتهمها بأي شيء لكن بادرة التوقف صدرت عنه هو , ليتها كانت المبادرة الى ذلك لأنه سيتمكن الآن من تذكيرها بضعفها هذا الى ما لا نهاية.... لم تجد ما تقوله ولم تنظر صوبه , ثم وقف قائلا:
"حاولي أن تنامي , سأذهب لأضرم النار".
أختلق هذا التبرير ليجدها نائمة عند عودته , أدركت غايته فأستسلمت لموجة الأرهاق التي اجتاحتها , راقبته يسير الى مكان النار ويلقي عليها أغصانا يابسة , ثم ينفض يديه من الغبار ويقف محدقا الى النار , وهنا ثقل جفناها ولم تدر كيف أنساقت الى عالم النوم والأحلام .
أستيقظت عند الفجر وهمست أسمه بصوت ناعس , لم يكن الى جوارها , أين ذهب يا ترى؟ تذكرت فجأة أنها شاهدته لآخر مرة واقفا أمام النار قبل أن تنام , دب فيها الذعر وأرغم أطرافها المتجمدة على التحرك فهبت خارجة من الملجأ البدائي وأخذت تناديه , كررت النداء عدة مرات فلم تتلق أي جواب ولم تر له أثرا , أين هو؟ هل نام قرب النار ثم أنطلق هائما على وجهه في نصف وعي؟ تذكرت ما قيل لها عن الأحداث الغريبة التي قد تحصل في البراري النائية فأمتلأ قلبها رعبا , من الجائز أن تحطم الطائرة أثر عليه أيضا .... أثر على عقله وجعله ذلك يتعرض لخطر ما , هذه البراري مليئة بالأخطار أثناء الليل , وأن كان في حالة ذهنية سيئة فلن يأخذ حذره منها , وأزداد رعبها حين وعت فجأة أن قميصه ما يزال يدثر كتفيها , لا بد أنه تجمد من الصقيع ! ستبحث عنه على ضفة الجدول , ربما ذهب ليجمع بعض الخشب ,تركت النار المشتعلة والمنشفة البيضاء التي علقها كبيرق على عمود خشبي وركضت في أتجاه الجدول , ولم تجده هناك , فتابعت ركضها لاهثة الأنفاس وسط اصمت المطبق حتى وصلت المكان الذي أستحما فيه مساء أمس , فوجدته هناك , كان قد سبح فيه ودل على ذلك شعره المبتل وبنطلونه الرطب الذي بدا أنه أرتداه على عجل , خالط أرتياحها غضب مستعر فركضت اليه بوجه محتقن وأخذت تضرب صدره بقبضتيها وتصرخ بلا تفكير :
"كيف جرؤت على تخويفي بهذا الشكل ؟ أنا أكرهك يا تشيس مارشال! أنت وحش! أنت أناني حتى العظم!".
أنطفأت بسمة الترحيب على وجهه وهتف :
" أخرسي يا أليكس!".
" لن أخرس! لقد سكت طويلا في الماضي وهذه.....".
أعتقلها فجأة وفح بسخرية:
" أذن هناك طريقة أفضل لأسكاتك".
رفعها عن الأرض وقذفها في وسط الجدول ثم صرخ وهي تغوص في المياه كحجر:
" تستحقين هذا العقاب منذ وقت طويل!".
أخذت تناضل للخروج من الماء وهي تلهث وتبقبق فيما جلس هو على الضفة يرقب محاولاتها , وصلت أخيرا شاطىء الأمان وثيابها المبللة ملوثة بالوحل الذي حركه سقوطها في العمق , جنت قرفا من وضعها فأخذت تنزع فستانها بعنف , كانت تلهث بأختناق والغضب يكويها فلم تفطن الى حقيقة ما تفعل , ضحكات تشيس المكتومة زادتها أشتعالا فطارت أزرار فستانها ثم سقط عند قدميها كومة مبللة , وهنا أدركت ما فعلته فهتفت بيأس وهي تنخرط في بكاء مرير :
" آوه! كلا!".
هب تشيس على الفور ليساعدها وقال بجدية:
" لا تجعلي من الأمر مأساة يا فتاتي , ربما كلانا كان بحاجة الى درس كهذا".
" تكلم عن نفسك!".
" وعنك أيضا!".
" حسبتك ضللت الطريق أو أصبت بمكروه.....".
" أحقا؟ آسف يا أليكس , كل ما في الأمر أنني أردت أستعمال قبلك , ولو وجدت شيئا أكتب عليه لكنت تركت لك رسالة قصيرة ".
" لا تمزح في موضوع كهذا يا تشيس!".
أجب وهو يقدم لها منديله الأبيض:
" ربما يصعب علينا المزاح في هذا الظرف , هاك منديلي , كنت أحفظ به للطوارىء".
حاولت تناوله منه لكن أرتجاف يديها الشديد حال دون ذلك فتنهد تشيس قائلا:
" دعيني أساعدك".
استدارت اليه بطاعة عمياء وبالكاد أحست يديه تجففان وجهها وكتفيها , كانت لمساته لطيفة مواسية فلم تفطن الى النظرة التي أشتعلت فجأة في عينيه , ثقلت أهدابها وكادت أن تطبق جفنيها من شدة الأعياء حين شعرت بتقلص يديه وسمعته يهمس لها متأوها:
" أليكس , أنت جميلة!".
جميلة؟ كيف ذلك وهي مبللة وملوثة بالوحل؟ تضرجت وجنتاها حين فطنت الى الثياب القليلة التي تسترها , أحنى رأسه على وجهها وعانقها.
" لا تقاوميني!".
عادت فورا الى وعيها , كان يعانقها بشراسة ويبدو غير مكترث بأيلامها , أنتابها الرعب وعبثا حاولت الأفلات منه لا ريب أن مجيئها اليه هذا الصباح قد أثار فيع عاصفة عاطفية الليلة الفائتة كانت مجرد مقدمة لهذا الفيضان الوحشي الذي يجتاحها الآن .
أسترخت ذراعاه قليلا وأغتنمت أليكس الفرصة وهربت منه ألا أنها سقطت على العشب المغمور بأشعة الشمس وهكذا أستلقت أمامه عاجزة , ركع الى جوارها وقال بصوت أجش:
" لن أؤذيك يا حبيبتي ".
لم تتحرك من مكانها فعاد يضمها وكأنه مسلوب الأرادة , أستسلمت لأندفاع مشاعرها فلفت ذراعيها حول عنقه فتحت عينيها ونظرت بذهول الى وجهه الأسمر المتورد , كان يتحرك قلقا وكأن عواطفه تعذبه في العمق ثم تأوه قائلا:
" أريدك يا حبيبتي , لكنني لا أريد أن أؤذيك".
بدا وكأنه يتيح لها فرصة أخيرة للهرب ألا أنها ما عادت تكترث لأية عاقبة فقد السيطرة على نفسه فأحست نفسها تذوب مع مخاوفها ,بعد لحظة ستصل الى نقطة اللارجوع .... وفجأة سمعا صوتا ينفجر هادرا في الجو ويسلخهما عن بعضهما بعضا.
أدركت أنه صوت هليكوبترولما فتحت عينيها الزائغتين رأت تشيس قفز واقفا على قدميه , تجمد للحظة متقلص الكتفين ثم هتف متجها الى مكانهما السابق تحت الأشجار.
" لقد وجدونا يا ألكس! أنهم يهبطون الى جانب الطائرة!".
سارعت الى ترتيب نفسها قدر المستطاع ومشاعر الخزي تعصف بها , وصول الهليكوبتر أنقذ حياتها وشرفها أيضا , كيف أتاحت لمشاعرها بأن تجرفها الى ذلك الحد؟ أستجمعت شتات أفكارها وحدقت بأستياء الى فستانها المبلل والملوث بالوحل , كيف ستبدو أن أرتدته؟ ثلج الخجل أطرافها فصاحت تستنجد برأي تشيس:
" ماذا أفعل يا تشيس ؟".
عاد اليها وأحسته نظر اليها متفهما وهو يقول:
" أبقي حيث أنت لبينما أجلب لك بطانية , لا بد أن لديهم واحدة ".
" ولكن.... أية ظنون ستساورهم؟".
تطلعت اليه بقلق مجنون فرأت الوجوم يصبغ وجهه الحائر ثم قال بهدوء:
" أذا كانوا من رجالي , وأنا أكيد من ذلك تقريبا , فلن تساورهم الظنون يا أليكس".
سمعته ينتهد بصبر نافذ , ربما لأنه تضايق من ردود فعلها العصبية , فأي فتاة أخرى يمكن في هذا الظرف أن ترقص حوله فرحا بالنجاة بدل أن تتكور مثلها بجبن وترتجف خوفا من شيء لم يحدث أطلاقا , أنها لا تستطيع حتى أن تجد الشجاعة لتعبر عن فرحها بنجاتهما , عاد تشيس بعد خمس دقائق يحمل بنطلون جينز وسترة صوفية وقال لها:
" أنه أندرو كما توقعت , أما عمتي فأرسلت لك هذه الثياب أذ تذكرت أنك خرجت بفستان رقيق قد يتمزق بفعل الحادثة , في أي حال , هذه الثياب واقعية أكثر".
تناولتها بأمتنان لكنها شكرته بصوت متجلد كذلك شعرت بتثلج يديها حين أرتدت البنطلون بصعوبة وأخفقت في رفع السحاب , فسألها بصوت حميم ورد وجنتيها :
" هل أساعدك؟".
" كلا , شكرا ".
" بحق السماء يا أليكس ! لا موجب لأن تبدي منجرحة الى هذا الحد فلم يحدث شيء بيننا".
" أتتبرأ من ذنبك؟".
" أنا مستعد لتحمل كامل الخطأ أن كان هذا يريحك".
صرخت وهي تشنج:
" لا أعتقد أنني سأشعر بأية راحة بعد اليوم!".
قبض على ذراعيها النحيلتين بقسوة وقال بألحاح:
" أصغي الي جيدا يا أليكس! أن أندرو هنا , وهناك هيلكوبتر آخر على الطريق , سيحيط بك أناس كثيرون وعليك أن تتمالكي نفسك".
" حسبت أن ظنون رجالك لا تهمك ,ولم أعلم أنني فقدت السيطرة على أعصابي".
" أنك على وشك فقدانها , هذا لن يفيدنا يا أليكس وأنت تعلمين ذلك ".
" آسفة , أعدك بأن أحسن التصرف , لن أفعل شيئا يسبب لك أحراجا".
ولما صمت وكأن كلامها لا يستحق جوابا أردفت بمرارة :
" لقد تأخروا في المجيء , أليس كذلك؟".
" كيف تقولين هذا وكان من الجائزألا يجدوا مكاننا لأيام طويلة ؟".
" تصور كم كنت ستضجر من رفقتي لو حصل هذا!".
عاد يعصر ذراعها بأصابع حديدية ويقول:
" أليكس , أدرك أنك مررت بتجربة مرعبة لكن تصرفك الطفولي لن يحل المشكلة , عليك أن تفكري في الآخرين ".
" ومن هم هؤلاء الآخرين ؟".
" والداك مثلا".
" أمي؟".
" وأبوك أيضا , لقد أرسلوا وراءه وسيصل قريبا".
حدقت اليه وهتفت بغضب يائس :
" ولماذا أستدعوه؟".
أجاب من بين أسنانه:
"لقد أصابت أمك بأستدعائه ,ولم تنس بأنك أبنته أيضا , فلو أننا قتلنا لما كان غفر لها أبدا عدم أستدعائه".
" هل سنجده في كولابرا لدى عودتنا".
" ربما , وقد يصل بعد ذلك بقليل , لماذا تسألين؟".
هزت رأسها كالخرساء وأحست فجأة أنها عاجزة عن أحتمال الوضع , فحيثما تلفتت لا ترى أمامها سوى صفوف من الوجوه المرتابة المتسائلة , أجل , الجميع سوف يتساءلون كيف قضت الليلة معه , سواء في نظراتهم أو في أفكارهم , وهي بحاجة الى نوع من المساعدة لتستطيع أن تواجههم .
نظرت اليه بسرعة فأحمر وجهها وأرتجفت شفتاها حين طالعتها نظراته الباردة , أن السؤال الذي ستوجهه اليه يحتاج شجاعة فائقة , غصت بريقها وكادت أن تتراجع لكن الضرورة تقضي ولا سيما أن أباها قد يكون في كولابرا , وهمست أخيرا:
" تشيس , هل لي أن ألبس خاتمك من فضلك؟".

widad
مديرة الموقع

تاريخ التسجيل : 29/07/2016

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى